مجموعة مسلماني
قراءة في فيلم "جذور" ...بقلم : د. غادة الراعي – ناقدة سينمائية
7/7/2021 1:35:00 AM

 قراءة في فيلم "جذور" ...بقلم : د. غادة الراعي ناقدة سينمائية

 تقول الكاتبة رضوى عاشور في رواية ثلاثية غرناطة "ان الحكايات التي تنتهي لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تُروى." و قد تأكد لي معنى هذه الجملة عندما شاهدت فيلم " جذور" الذي عُرض مؤخراً على شاشة تلفزيون فلسطين للمخرج مصطفى النبيه

هذا الفيلم وثائقي بنكهة خاصة، حيث أنه يوثق قصة كفاح مليئة بالحب: حب الوطن، حب الزوجة، حب الحياة، حب الحرية.

في فيلم "جذور" تأخذنا السيدة آمال أبو عمارة وزوجها في رحلة ممتعة عبر التاريخ من حيث الزمان والمكان. خلال الفيلم، نرى السيدة أمال تمشي في أحياء غزة القديمة، خاصة منطقتي الزيتون والدرجوتحدثنا عن مولدها وتهجير عائلتها ونشأتها في غزة وغير ذلك من أحداث أثرت في حياتها. إن استحضار هذه الذكريات مع تواجد البطلة في نفس مكان الحدث هو من أهم مميزات هذا الفيلم الذي سأتحدث عنه في قراءة نقدية خلال هذا المقال

يبدأ الفيلم بمشهد لحفلة بسيطة بعيد ميلاد السيدة امال في حضور زوجها السيد علي طقش، يستوقفنا دفئ هذا المشهد حينما نرى السيد علي يهنئ زوجته بحرارة ويطبع على وجهها قبلات تحمل معنى الوفاء والاحترام والتقدير لهذه المرأة التي شاركته رحلة حياته بحلوها ومرها. لم ينسَ المخرج أن يعطي هذه المناسبة الخاصة طابعاً وطنياً حيث كان علم فلسطين حاضراً في دلالة على أن كل معاني الحب والسعادة تنصهر في بوتقة حب الوطن. هذا المشهد الافتتاحي هو اختيار موفق من وجهة نظري، لأن المخرج بذلك كسر القالب النمطي الذي اعتدنا عليه في الأفلام الوثائقية والتي تعتمد في أغلب الأحيان على صور أرشيفية، أومقابلات أو زيارات ميدانية واستخدام لغة جافة مليئة بالإحصائيات والأرقام والتواريخإن اختيار هذا المشهد كبداية للفيلم يجعله أكثر جذبا لانتباه المشاهد وأكثر تشويقا فالناس بطبيعتها تحب مشاهدة المناسبات السارة، وبالتالي يكون لدى المشاهد رغبة في متابعة الفيلم ليعرف ما وراء هذا المشهد

"جذور" يجسد حكاية وطن بأكمله من خلال ذاكرة السيدة آمال أبو عمارة وزوجها، حيث يتناوبان خلال الفيلم في سرد الحكاية.. حكايتهما معا. وقد كان السرد متوازن حيث إن كل واحد منهما كمّل ما يقوله

الآخر، وقد أعطى المخرج مساحة كافية لكل واحد حتى يتحدث عن نفسه وذكرياته واهتماماته واستطاع من خلال الصوت والصورة أن يعكس الحس الوطني الإنساني لشخصيات الفيلم

تبادرنا السيدة أمال أبو عمارة في بداية الفيلم بالقول إنها من مواليد يافا - النزهة، ولكنها لا تعرف تاريخ ميلادها الحقيقي، لأن شهادة ميلادها الأصلية بقيت في يافا عام 1948، بالتالي يكون الاحتلال قد جردها من مكان وتاريخ ميلادها في سعيه لطمس هويتها واقتلاعها من جذورها. في الفيلم وقفت هذه المرأة شامخة تطالب بحقها في الحصول على شهادة ميلادها الأصلية. وهذا أبسط حقوقها كإنسانة

No description available.

من أكثر ما يميز هذا الفيلم تعددية الزمان ومحدودية المكان وقد كان المخرج موفقا الى حد كبير في توظيف هذا العنصر.

فمن أهم المشاهد في الفيلم تلك التي تظهر فيها السيدة آمال وهي تتجول في المكان الذي عاشت فيه طفولتها بحي الدرج بالقرب من المسجد العمري. هذا المكان يحمل ذكريات ماضيها ونشأتها كفتاة صغيرة لعائلة مهجّره، لكن السيدة امال تأخذنا إلى ماضي ابعد، الى عمق التاريخ، عندما تتحدث عن يافا التي نسجتها في خيالها وعن برتقال يافا الذي سمعت الكثير عنه في حكايات اجدادها، ويعرِض الفيلم بالتوازي صور تحاكي برتقال يافا وكأن المخرج والبطلة يحاولان إعادة رسم حدود فلسطين التاريخية ويتمردان على قيود الواقع الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي. وقد تحدثت السيدة آمال و هي في قلب غزة عن سينما الحمراء والبركة التي كانت في بيتهم في يافا، كل هذه الذكريات هي ذاكرة وطن واستحضارها بينما كانت السيدة امال تمشي في احياء غزة القديمة يعتبر عمليه توثيق رائعة. فكما تقول رضوى عاشور "تكتسب الاماكن معنى جديد عندما نعرف حكايتها". لقد رافقنا السيدة أبو عمارة في جولتها واستمتعنا بقدرتها على المزج بين ذاكرتين ما قبل النكبة (يافا الجميلة) وما بعدها (اللجوء الى قطاع غزة) وهنا يبرز دور السينما كسلاح مقاومه. فعلى الرغم من قيود المكان، عشنا من خلال السرد داخل حدود فلسطين التاريخية.

No description available.

ايضا من المشاهد الجميلة التي تجلى فيها معنى المقاومة تلك المشاهد التي رأينا فيها السيدة امال تتمشى بين الاشجار المصطفة على جانبي الطريق وتتحدث عن صنوبر جدها في يافا، ثم يُظهرها المخرج في كادر رائع وهي تقف وكأنها جزء من الشجر وكأن جذورها مغروسة في الأرض مثله، وهذا استخدام موفق للكاميرا.

No description available.

أيضا من المشاهد الجميلة التي جعلتنا كمشاهدين نحاول ان نتخيل ونستشعر جمالية يافا كما هي في خيال السيدة امال ذلك المشهد الذي كانت فيه تجلس في حديقة وأمامها على الطاولة مفرش مطرز من "قماش يافا" و "انتاج يافا". كانت السيدة امال تلمس المفرش كقطعة أثرية فريدة من نوعها وتتحدث عن جماله وما يميزه عن غيره من المطرزات الحديثة، وقد استطاع المخرج توصيل هذا الانطباع من خلال الكاميرا التي أظهرت تفاصيل المفرش ويد السيدة آمال تلمسه في لقطة قريبه المدى.

 

انتقل الان للحديث عن السيد علي طقش بطل الفيلم وبطل حياة السيدة آمال ابو عمارة.

No description available.

مما راق لي ان هذا الرجل كسر الصورة النمطية للرجل الشرقي الذي يخجل من التعبير عن حبه واحترامهلزوجته أمام الناس ويعتبر ذلك انتقاصا لرجولته. لقد حضرنا حفلة عيد الميلاد ورأيناه في هذا المشهد وغيره من المشاهد يعبر عن حبه وتقديره لزوجته. ايضا كسر هذا الرجل بعفويته الصورةالنمطية في الإعلام للمناضل الفلسطيني الذي يتم الحديث عنه عادة وكأنه سوبرمان، البطل الذي لا يبكي ولا يخاف ولا يتأثر. قال السيد علي: "في خوف عميق جدا في داخلي" وذلك بسبب الاحتلال الاسرائيلي والظروف الصعبة التي عايشها، وهذا يعني اننا كفلسطينيين مثل باقي البشر نخاف ونتوتر ونكرة لون الدم. لقد وصفت لنا السيدة امال كيف شعرت بالرعب عندما وقع قصف اسرائيلي بالقرب من مدرستها وهي طفلة وكيف تأثرت عندما رأت والدها يبكي.. نحن شعب مثل باقي الشعوب نحب الحياة ما استطعنا الى ذلك سبيلا ونكره الموت ونخاف من الحرب ولا نريدها. نحن نعشق الحرية وننشد السلام. لقد استوقفتني كلمه السيد طقش " بحب الحرية اكتر من اولادي". في الفيلم تحدث الرجل وهو مستشار اقتصادي عن رؤيته في تحريك عجلة الاقتصاد الفلسطيني والاعتماد على الذات قال: "نحن شعب مش ذليل" لما يحولونا لشحاتين هذا هو الاستعمار". هذه الكلمات تستحق الوقوف عندها.

تحدث بطلا الفيلم عن قيمة التسامح والتعايش السلمي التي كانت سائدة في فلسطين ما قبل النكبة حيث كان المسلمين والمسيحيين واليهود يعيشون مع بعضهم في سلام وكانت فلسطين مفتوحة على باقي البلدان. فماذا قلب الأوضاع؟  يقول السيد طقش " بتحبسني وما تعطيني اكل ولما اثور بصير ارهابي!"  وكملت هذا المعنى السيدة امال حيث أطلت علينا بثوبها الفلسطيني ذو الألوان الزاهية وقالت كلمه جوهريه " السلام أصعب من الحرب".

ونحن نستمع للسيدة امال وزوجها نشعر بحزن في نبرة صوتهما وهما يتحدثان عن طفولتهما التي خلت من سمات الطفولة بسبب انتهاكات الاحتلال الاسرائيلي التي طالت الأحياء والأموات، فكما قالت السيدة امال حتى المقابر لم تسلم من القصف الاسرائيلي "هما ورانا ورانا فوق الارض وتحت الارض.... واحنا عايشين واحنا ميتين ما رحموناش" فهي لازالت الى اليوم تحاول معرفة مكان قبر والدها رحمه الله كما تحاول معرفه تاريخ ميلادها الحقيقي.

كل ما عايشته هذه السيدة لم يؤثر على انتمائها لوطنها فهي حاليا تهتم بجمع وحفظ وتسجيل الاغاني التراثية التي كانت النساء الفلسطينيات ترددها في الاعراس والمناسبات السعيدة وكذلك الاغاني التي كانوا الاطفال يرددونها أثناء اللعب وفي مناسبات الأعياد، فهي تؤمن بأن الحفاظ على هذه الأغاني هو جزء مهم من الحفاظ على الهوية وتنمية قدرات الاطفالتقول السيدة امال عن هذه الأغاني: "انها تأتي من عمق التاريخ وتلعب دور في تشكيل هويه الشعب ووجدانه". في الحقيقة هذا المشروع وغيره من أدوات الثقافة مثل صناعه الافلام هو فعل مقاومة بحد ذاته ويستحق الدعم من الجهات الرسميةوغيرالرسمية من اجل حماية الهوية الفلسطينية.

فيما يتعلق بالعناصر السينمائية في إخراج الفيلم، نلاحظ ان المخرج وظف عدسة الكاميرا بشكل رائع. حيث ركز على وجوه الشخصيات ليعكس كفاحهم وحبهم لوطنهم.

نلاحظ ايضا ان المخرج أعطى للبحر حضورا ساحرا في الفيلم حيث ظهر بحر غزة في لقطات بعيده ومتوسطه المدى مما يعطي المُشاهد احساس بجمال المكان واتساعه رغم انه مغلق ومحاصر.

أرى ان حضور البحر بمشاهده الجميلة هو اداه استخدمها المخرج لإراحة المشاهدين وتفريغ المشاعر السلبية التي قد يشعروا بها عند سماع ذكريات مؤلمة تتعلق بالحرب والتهجيرايضا اراد المخرج ان يعكس جمالية المكان وان يقول ان على هذه الارض ما يستحق الحياة رغم أي شيء.

شاهدنا من خلال عين الكاميرا صورة جميلة لمدينة غزه أظهر فيها المخرج ازقه المخيم الضيقة مقارنه بالبحر ذو الافق الواسع ورأينا الاسواق الشعبية والمقبرة والمنتزه والمسجد وميدان فلسطين اضافة الى المعالم الاثرية في قلب غزه القديمة. اعتقد ان هذا الفيلم يمكن تصنيفه من الافلام السياحية التي يجدر ان تحرص وزاره الثقافة على عرضها محليا ودوليا حتى يتسنى للأشخاص المهتمين بالتعرف على معالم غزة مشاهدته.

وقد ظهر في الفيلم العديد من رموز الهوية الفلسطينية مثل العلم والكوفية والثوب الفلسطيني وفرن الطابون مع الأهازيج الفلسطينية.

No description available.

بالنسبة للموسيقى التصويرية، هي جميله بحد ذاتها ولكن توظيفها في الفيلم لم يكن موفقا كثيرا، حيث ان المخرج استخدم في مَشاهد البحر الموسيقى التصويرية مع صوت امواج البحر وكانت الموسيقى التصويرية طاغيه. من الأفضل ان يكتفي المخرج بصوت امواج البحر فقط في تلك المشاهد لأنها تعطي معنى أعمق للمشهد.

واستخدم المخرج صور من الارشيف لتدعيم ما يقوله أبطال الفيلم، في اعتقادي، بعض هذه المشاهد لم يضيف كثيرا للفيلم وبالتالي لا داعي لها.

في نهاية الفيلم قالت السيدة امال لزوجها " لو مشينا الشط، الشط بنوصل يافا" كأنها تؤكد ما قاله محمود درويش " هذا البحر لي.. هذا الهواء الرطب لي."

No description available.

بعد مشاهدتي لفيلم "جذور" اقول ان هذا الفيلم يلخص حكاية شعب في قالب جميل. فنحن بالقلم وبالصوت وبالصورة نستطيع أن نفرض الرواية الفلسطينية وننقلها للأجيال القادمة كما فعل الاستاذ مصطفى النبيه بالتعاون مع كل من شارك في هذا العمل.

في نهاية هذا المقال أرغب بالتأكيد على أهمية المشروع الذي بادرت به السيدة امال المتعلق بجمع و ارشفه الأهازيج والأغاني التراثيةالفلسطينية و ادعو الحكومة للعمل عليه ، وصدقت هذه السيدة الجميلة بجمال يافا حين قالت: " طول ما احنا محتفظين بهذا التراث الثقافي عمرهم ما رح يكسروا إرادتنا" وهي محقة جدا حين قالت: "السلام اصعب من الحرب".

 أتمنى للسيدة امال وزوجها موفور الصحة والعافية واتمنى ان تحتفل يوما ما بعيد ميلادها الحقيقي حسب شهادة الميلاد الأصلية الصادرة من يافا. كذلك اتمنى للمخرج الرائع مصطفى النبيه كل التوفيق في اعمال جديده. هذا الفيلم يستحق المشاهدة.

الناقدة د. غادة الراعي

ghada.raee@yahoo.com

 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة