مجموعة مسلماني
قصة فدائي .. نجا بأعجوبة من تدمير كهف.. أسرار في حياة مناضل فلسطيني.. صور
5/16/2020 1:18:00 AM

عوض الرجوب-الخليل - في كهف صغير في قرية "سوبا" بين مدينتي الخليل وبيت جبريل، كانت بداية المناضل الفلسطيني سالم بريوش (أبو وسام) وانخراطه في الثورة، وقريبا من قريته يعيش اليوم أغلب أوقاته.

تعود الحكاية إلى احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، وبدء تشكيل خلايا الكفاح المسلح بالضفة الغربية، إذ كان المواطن منشغلا في أرضه الزراعية وحين آوى إلى كهف قريب للراحة وجد مقتنيات استنتج أنها لـ "المطاردين" وهم المقاومون الذين يطاردهم الاحتلال.

cc167e9e-54c7-469e-816f-4582ce7cc92e (3).jpg

وشكلت الكهوف حاضنة رئيسية للثورة، إذ كانت المأوى والملاذ ومخبأ السلاح ومكان عقد الاجتماعات وغيرها.

ظل الرجل يترقب الكهف حتى التقى بالثوار الذين يترددون عليه، وتطورت العلاقة إلى توفير المأكل والمشرب لهم، ثم التحق عن طريقهم بمكتب "القطاع الغربي" في عمّان الذي يدير عمليات حركة فتح بالضفة، وبدأ في تدريب منتسبي القطاع القادمين من الضفة.

لم يطل المقام بالرجل طويلا في الأردن، إذ قرر في سبتمبر/أيلول 1967 العودة في "دورية" ضمن مجموعة عسكرية للعمل من داخل فلسطين، ونجح في التسلل من الأردن عبر البحر الميت وصولا إلى منطقة الخليل.

في هذه المرحلة كان بريوش ورفيقاه محمد حسين البطاط وصلاح أبو ميزر يتنقلون مع أسلحتهم وذخائرهم على الأقدام بين كهف في منطقة "عين لنغر" قرب الخليل من الجهة الغربية، وآخر في أحراش بيت جبريل على بعد 15 كيلومترا بالأراضي المحتلة عام 1948.

cc167e9e-54c7-469e-816f-4582ce7cc92e (2).jpg

أولى عمليات الخلية العسكرية كانت بقصف جيب إسرائيلي وسط الخليل ليلا بقذيفة "آر بي جي" وبقنابل يدوية، والثانية بعد أيام في جيب آخر قرب مقر قيادة الاحتلال بالعمارة في مدينة الخليل.

وكما كانت بداية التحاق ضيفنا بالثورة وتنظيم حركة فتح صدفة في أحد الكهوف، كانت نجاته من قصف شديد أشبه بمعجزة استحق معها لقب "الشهيد الحي".

فبعد شهور من العمل والتخفي تخللها تنفيذ أربع عمليات ضد جنود الاحتلال كان بريوش والبطاط على موعد استثنائي في كهف عين لنغر، وهناك فوجئوا ظهر 20 ديسمبر/كانون الأول 1967 بقوات كبيرة من جيش الاحتلال تمشط الجبال والكهوف القريبة، وعند وصول الكهف الذي كان يؤويه ورفيقه بدأ الجنود يطلقون النار والقذائف، وحينها قررا المواجهة والرد على الجنود.

856.jpg

اصطحب بريوش مراسل الجزيرة نت إلى الكهف الذي حوصر فيه في منطقة وعرة وخالية من السكان حتى اليوم، وهناك شرح بالتفصيل ما جرى، وكانت آثار الرصاص شاهدة على ما جرى، بل استخرج واحدة منها بمفك ومطرحة (مطرقة) أحضرهما معه من منزله.

في مشهد أشبه بالمعجزة يقول ضيفنا إنه كان يخرج من الكهف ويطلق الرصاص ثم يعود إلى الداخل، وكل مرة يطلق عليه النار حتى أصابته 13 رصاصة في أنحاء جسده ما زالت آثارها إلى اليوم.

في هذه اللحظات ومن شدة القصف كانت قناعة بريوش أنه في طريقه للشهادة لا محالة، وعليه قرر المضي في الاشتباك حتى النهاية، لكن شدة النزيف أصابته بالإغماء وتوقف عن إطلاق النار وتمت مداهمة الكهف واعتقاله، فاستفاق على نفسه في أحد مقرات الاحتلال، ليكون واحدا من أبرز المقاومين المعتقلين بعد النكسة.

وبينما كانت جروح الأسير تنزف كان ضباط الاحتلال في هذه اللحظة يستخدمون الجروح للتحقيق معه بالضغط عليها بأقدامهم، ورغم نقله إلى مستشفى هداسا تبعه المحققون هناك واستمر التحقيق طوال فترة العلاج.

cc167e9e-54c7-469e-816f-4582ce7cc92e.jpg

خضع بريوش للعلاج أكثر من خمسة شهور تخللها استئصال أكثر من نصف الأمعاء الغليظة، ومعالجة يده ورجله وآثار الرصاص.

يقول الأسير المحرر إن طبيبا في مستشفى هداسا صارحه بأنهم يعالجونه لأن الجيش يريد ذلك، في إشارة إلى الرغبة في استمرار التحقيق والحصول على مزيد من المعلومات.

بعد رحلته الشاقة مع العلاج حكم على بريوش بالسجن 4 مؤبدات و30 عاما بتهم استهداف الاحتلال وتشكيل خلايا عسكرية.

لم يكمل الرجل فترة الاعتقال وأفرج عنه إلى بلدته (سوبا) عام 1985 في صفقة تبادل مع جنود كانت تأسرهم الجبهة الشعبية ( القيادة العامة )، لكن بعد أربعة شهور أبعد إلى الأردن، قبل أن يعود ثانية إلى مسقط رأسه مع تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994.

مع حلول يوم الأسير الفلسطيني (17 أبريل/نيسان) لا يرى بريوش أملا للأسرى سوى بصفقات التبادل، معتبرا أن جائحة كورونا درس لكل الأحرار في العالم "إذا ضقتم بالحجر لأسابيع أو أيام هناك من أمضى 35 عاما تحت عصا السجان".

رغم تجربة هذا المواطن القاسية مع الكهوف، فإن علاقته بها استمرت، لدرجة أنه بدأ عام 1997 في حفر كهف قرب منزله تجاوزت مساحته الآن 300 متر مربع.

يفضل هذا السبعيني بعد تقاعده من السلطة الفلسطينية أن يقضي معظم وقته في الكهف الجديد وسط غابة خضراء من المزروعات البرية والشجرية.

رغم سمو التجربة وثمنها الباهظ، لا يخفي الرجل مروره بمحطات من الإحباط والتناقضات واجهته بمسيرته، لا يمكن فهمها سوى أنها ضمن التحولات السياسية من الكفاح والنضال إلى المفاوضات وتداخل المصالح.

تجربة مختلفة واستثنائية وغنية بالتحديات والمفاجآت والتحولات لرجل استثنائي.. فهو الشهيد الحي والأسير المحرر والمبعد العائد.

المصدر : الجزيرة نت


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة