"كورونا" يحجب "الشعبونية" في نابلس..!
4/2/2020 8:41:00 AM

غسان الكتوت- طغى الخوف من وباء كورونا على اهتمامات الناس، وأجبرهم على تغيير الكثير من عاداتهم وسلوكهم اليومي وأمور كثيرة اعتادوا عليها طويلاً، وكذلك الحال في مدينة نابلس التي لطالما اشتهرت بعادات اجتماعية ميزتها على مدى الأجيال المتعاقبة.

وعلى غير عادته، دخل شهر شعبان هذا العام دون أن يشعر به كثير من أهالي نابلس الذين اعتادوا على ترقب هذا الشهر المرتبط بواحدة من أشهر عاداتهم الاجتماعية، ألا وهي عادة الشعبونية.

والشعبونية عادة نابلسية بامتياز، تُنسب لشهر شعبان، يقوم فيها رجل البيت بدعوة محارمه النساء، من البنات والشقيقات والخالات والعمات وابناءهن من الإناث والأطفال الصغار للمبيت عنده وتناول الطعام.

وتعتبر عادة الشعبونية التي تعود لقرون عديدة مضت، من العادات التي تعزز صلة الرحم وأواصر المحبة والألفة بين أفراد العائلة الواحدة.

وفيما مضى، كانت الشعبونية تستمر ثلاثة أيام متواصلة، تبيت فيها المدعوات في بيت داعيهن، يمضين أوقاتهن بالحديث وتبادل الأخبار العائلية، وإعداد الطعام، وترديد الأغاني النابلسية التراثية.

وللشعبونية طقوسها من أصناف الطعام، فوجبة الفطور كانت تحتوي على الأطعمة النابلسية الشهيرة، كقرص الثوم والطمرية وحلاوة الزلابية، أما وجبة الغداء فكانت تحتوي على أصناف المحاشي التي تمضي النساء ساعاتٍ في إعدادها، وتكون التحلاية بعد ذلك إما بالكنافة او الكلاج أو الفطير.

تغييرات قسرية

تغيرت عادة الشعبونية كثيراً بمرور الزمن، فانشغال الناس وضيق الوقت وكثرة الأعباء المادية على أرباب الأُسر دفعت كلها لتقليص مدة الشعبونية إلى يوم واحد، واقتصارها أحياناً على تناول وجبة الغداء، دون المبيت.

وجاء وباء الكورونا ليحجب هذه العادة في هذا العام، كما حجبت الكثير من العادات، فضلاً عن الشعائر والعبادات الجماعية.

فالشعبونية، بما فيها من اجتماع لعدد كبير من النساء والأطفال في مكان مغلق وحيّز محدود، هي بيئة خصبة لنشر الفايروس ونقله من بيت واحد الى عدة بيوت.

الحاج قاسم المصري، الذي اعتاد في شعبان من كل عام على دعوة بناته وشقيقاته وبناتهن وأطفالهن إلى بيته، يشعر بالأسى لأنه لن يتمكن هذا العام من إقامة الشعبونية.

وقال: "مرت علينا ظروف قاسية في الانتفاضة الاولى وانتفاضة الأقصى ولم تنقطع هذه العادة الحسنة، بل كانت خير ما نستعين بها لتعزيز قيم التراحم والتعاضد فيما بيننا".

ويضيف بأسى: "في هذا العام لن تدخل البهجة بيوتنا بلقاء الاحبة وحركة الاطفال ولهوهم في البيت".

ويصف الكورونا بالعدو الاول للعلاقات الاجتماعية، فاستمراره مدة طويلة سيلغي الكثير من العادات الاجتماعية التي اشتهرت بها نابلس على مر العصور.

ويمنّي المصري نفسه بأن تنقشع هذه الغمامة قريبا، وأن لا تمتد الى شهر رمضان وما بعده.

أبعاد اقتصادية

ولا يقتصر أثر احتجاب الشعبونية على الجانب الاجتماعي، بل يمتد ليترك آثاراً اقتصادية أيضاً.

فشهر شعبان يمثل موسماً مهماً لمحلات الحلويات لا يقل عن أهميةً عن موسم شهر رمضان، ولهذا فهم يترقبونه ويستعدون له قبل أشهر.

وبسبب انشغال الناس، بدأ الكثيرون في السنوات الاخيرة يعتمدون على محلات الحلويات والمطابخ في إعداد الطعام الجاهز والحلويات التي تقدم في وليمة الشعبونية.

وساهم ذلك في ظهور مطابخ منزلية على شكل مشاريع صغيرة تشكل مصدر دخل للكثير من العائلات والأيدي العاملة، فضلاً عن المطابخ الخاصة بمحلات الحلويات الكبيرة.

ويقول أيمن التمام، صاحب حلويات دمشق بمدينة نابلس: إن الحلوى التي تقدَّم في شعبان لا تقتصر على نوعٍ محدد، ولذا بات صنعها بالمنزل مرهقاً.

ويضيف أنهم يشهدون حركة ونشاطاً في البيع خلال شهري شعبان ورمضان، تزيد عن بقية أشهر السنة.

تجاوز عدد ضحايا كورونا في العالم الأربعين ألفاً من البشر، لكن ضحاياه من غير البشر أكثر من ذلك بكثير، ولعل الشعبونية النابلسية هي إحدى ضحاياه.

جريدة القدس

 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة