مجموعة مسلماني
وثيقة إسرائيلية: الحكم العسكري بحال احتلال عاصمة عربية
6/11/2019 1:12:00 PM

 أصدرت هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي كراسة، في حزيران/يونيو العام 1969، احتوت على مبادئ العقيدة القتالية بما يتعلق بـ"السيطرة على مناطق محتلة والحكم العسكري". وصدرت هذه الكراسة بعد سنتين من احتلال إسرائيل لهضبة الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء. ووفقا للكراسة، فإن "هذا الكتاب يلزم الجيش الإسرائيلي بموجب أوامر القيادة العليا" للجيش، وأن هذه الكراسة "تلغي كتاب ’السيطرة على مناطق محتلة’ من العام 1960".

وهذه الكراسة هي واحدة من وثائق عديدة محفوظة في ملف بعنوان "شعبة العمليات/الحكم العسكري – أنظمة الدفاع 1945"، في "أرشيف الدولة" الإسرائيلي. وتشمل الوثائق في هذا الملف تعليمات عسكرية حول الحكم العسكري، الذي تم فرضه على الأقلية العربية في إسرائيل بعد قيامها مباشرة. وامتنع "أرشيف الدولة" عن كشف هذه الوثائق بعد انقضاء مدة الاحتفاظ بها قيد السرية. وقد تم فتح هذا الملف في أعقاب استئناف إلى مدير الأرشيف، قدمه "عكيفوت – معهد لبحث الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني"، والذي يعنَى بكشف الوثائق السرية الإسرائيلية. وأتاح "عكيفوت" إمكانية الاطلاع على الوثائق، قبل أسبوعين، فيما لا يزال "أرشيف الدولة" يمتنع عن نشرها في موقعه الإلكتروني.

ويدعي الجيش الإسرائيلي في الكراسة أن هدف إصدارها هو "الإيعاز بالأمور الأساسية المتعلقة بالسيطرة على منطقة محتلة في مراحل مختلفة، في مجالات الأمن والسيطرة، الإدارة المدنية والتعامل مع السكان، وتحديد أساليب العمل التي ستمارس". ولا تترك الكراسة مجالا حياتيا إلا وتطرقت إليه، ووضعت تفاصيل حول كيفية السيطرة عليه، وحتى أن أحد فصولها يتطرق إلى "احتلال عاصمة" في إطار إمكانية إسقاط نظام في إحدى الدول العربية المجاورة لإسرائيل.

وتشدد الكراسة، منذ البداية، على أن التعليمات التي تتضمنها هي "نتيجة خبرة اكتسبت طوال فترة الحكم العسكري" على الأقلية العربية في إسرائيل، "وتشكل أساسا للمستقبل بما يتعلق بمواضيع لم نختبرها بعد".

وفيما زعم الجيش الإسرائيلي في الكراسة أن عمليات وأنشطة جيش الاحتلال تستند إلى قواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية، وبينها أنظمة لاهاي بشأن قوانين الحرب ومعاهدة جنيف الرابعة؛ فإن الكراسة تتضمن، من الجهة الأخرى، تعليمات تتناقض مع تعليمات القانون الدولي، وبينها تعليمات بطرد سكان وتقييد الحركة وتصاريح التجارة كوسيلة ضغط وردع على السكان الرازحين تحت الاحتلال. ولا تزال إسرائيل تمارس هذه الإجراءات، المنافية للقانون الدولي، في الضفة الغربية حتى اليوم، وبينها نظام التصاريح وتفضيل مصالح الاحتلال وتقييد عمل وكالات الإغاثة، وخاصة الأونروا.

وتسمح التعليمات التي تضمنتها الكراسة بالتعامل مع النشاط السياسي للرازحين تحت الاحتلال بإحدى إمكانيتين: قمع المقاومة السياسية، وإقامة "حكم محلي هدفه السماح بتفعيل الخدمات العامة وإعفاء الجيش الإسرائيلي من الاهتمام باحتياجات السكان" والوصول إلى حد أقصى من التعاون مع الاحتلال. كذلك فإن الحكم العسكري هو الذي يقرر بتشكيلة السلطات المحلية، ويشرف على عملها بصورة مباشرة.

وشدد معهد "عكيفوت" على أن "إخضاع الحلبة السياسية الداخلية للسكان الرازحين تحت الاحتلال لحكم عسكري واحتياجاته يُكمل التعليمات لقمع أنشطة مقاومة، عنيفة وغير عنيفة، إلى درجة حظر أي تعبير للسكان تحت الاحتلال لمجرد الاشتباه بمقاومة الحكم في منطقة محتلة". 

السيطرة على منطقة بعد احتلالها

ادعت الكراسة في مقدمتها أن "الجيش الذي يستعد لاحتلال أراضي العدو يجب أن يكون مستعدا لذلك، بحيث أنه بعد احتلال المنطقة بإمكانه فرض الأمن والنظام العام والإدارة السليمة فيها، لأن هذا واجب أي جيش احتلال، بموجب مبادئ القانون الدولي، وأيضا من أجل منع أنشطة معادية من جانب السكان وفلول الجيش المهزوم في المنطقة المحتلة. وعلى قوة الاحتلال الحفاظ على الأملاك في هذه المنطقة لاحتياجات السكان المدنيين واحتياجاته هو". ولا تطبق إسرائيل هذا الأمر، إذ أنها استولت على الموارد في الأراضي المحتلة عام 1967، وأقامت مستوطنات فيها كلها، أي في الجولان والضفة وغزة وسيناء.

وأضافت الكراسة أنه "بعد بدء الاحتلال، تنتقل صلاحيات إدارة المنطقة، بما في ذلك صلاحيات التشريع والتعيين، إلى المحتل"، رغم اعتراف الكراسة بأن "مبادئ القانون الدولي تقضي بأن قوانين الحكم السابق في منطقة محتلة تبقى سارية المفعول بعد الاحتلال". وأعفى الجيش الإسرائيلي نفسه من مخالفة القانون الدولي، من خلال "وجود حاجة إلى توفير صلاحية قانونية بواسطة أمر صادر عن القائد العسكري".

ويتعين على الحكم العسكري في المنطقة المحتلة، حسب الكراسة، أن يقسم المنطقة المحتلة إلى مناطق، تسهل حكمها والسيطرة عليها، "وتكون لقيادة قوات الجيش الإسرائيلي صلاحيات كاملة وحصرية على القوى والجهات في المنطقة في كافة المراحل، بما في ذلك خلال مرحلة الاستقرار بعد انتهاء المعارك".

وتحدد الكراسة مهمات يتعين على قوات الجيش تنفيذها بعد احتلال منطقة، وتشمل: إصدار أوامر حظر التجول، إغلاق مناطق ونزع السلاح، استسلام مسلحين يختبئون بين السكان، اعتقال رجال أمن واستخبارات وأعضاء تنظيمات سرية وقادة منظمات سياسية، ومصادرة عتاد عسكري، وحراسة منشآت حيوية وأماكن مقدسة ومواقع تاريخية وممثليات أجنبية.

احتلال عاصمة عربية

رغم أن الجيش الإسرائيلي أصدر هذه الكراسة بعد سنتين من احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية، عام 1967، إلا أنه يبدو أنه كان مصابا بنشوة حينها، ويأمل باحتلال المزيد من الأراضي العربية، أو حتى احتلال دولة عربية. وخصص الجيش الإسرائيلي فصلا في الكراسة لاحتلال عاصمة عربية، والعمليات التي ينبغي تنفيذها في أعقاب ذلك من أجل فرض حكم عسكري فيها.

واعتبرت الكراسة أن "السيطرة على عواصم تثير عدة مشاكل، بينها السيطرة على عدد كبير من السكان في منطقة صغيرة... والقرار بشأن السيطرة على العاصمة كلها أو أجزاء منها، أو على مشارفها فقط، سيُحسم بموجب اعتبارات سياسية والقدرة على السيطرة".

وأضافت الكراسة أنه "في العاصمة التي فرّ قسم من سكانها، يتم تجميع الباقين فيها في أجزاء معينة منها من أجل ضمان السيطرة عليهم، أمن السكان، وتمكين منحهم خدمات بطريقة مريحة. وفي المقابل، فإن المدينة قد تغرق بلاجئين فروا من طريق حركة المحتل، وقد يشكلوا عبئا آخر على جهاز تزويد الخدمات، من دون أن يكون مستعدا لأعداد كهذه...".

وتابعت الكراسة أن "القوات التي تحتل عاصمة ينبغي أن تكون مدربة مسبقا على القبض على أشخاص في رئاسة الحكم العسكري والمدني؛ وهؤلاء وأماكن سكنهم سيكونوا جزءا من الأهداف الحيوية التي ستتم السيطرة عليها. ولهذا الغرض، ستُمنح القوات معطيات استخبارية دقيقة قدر الإمكان. ويتواجد في العواصم، عادة، حتى بعد فرار قسم من السكان، أشخاص يتولون مكانة مركزية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وما إلى ذلك. وثمة ضرورة لإيجاد طريقة للتحدث مع هؤلاء الأشخاص وضمان تعاون ممثلي السكان. ولا ينبغي الامتناع عن اعتقال أشخاص كهؤلاء حسب الحاجة".

وطالبت الكراسة قوات الجيش التي تحتل عاصمة عربية "بالسيطرة على مقرات ومنشآت عسكرية" وعلى "منشآت اتصالات" و"منشآت إلكترونية" ومقرات الإذاعة والتلفزيون، ومقرات الحكم، "وقبيل الاحتلال يجب تفعيل مواطنين (إسرائيليين)، مندوبين عن الوزارات ومؤسسات أخرى، من أجل السيطرة على وزارات وأرشيفات ومنشآت مختلفة. وكلما طالت مدة سيطرة قواتنا على عاصمة محتلة، يتم تنفيذ عمليات أساسية أكثر من أجل استغلال كنوز المواد المحفوظة في الأرشيفات التي تسقط بأيدينا".

وأضافت الكراسة أن "للجهات الأمنية، إلى جانب الجيش الإسرائيلي، مهمات كثيرة وحيوية مرتبطة بالسيطرة على عواصم. ورغم أنه على الأرجح أن يفرّ من العاصمة كل من يتخوف من الاحتلال الإسرائيلي قبل مجيء الجيش الإسرائيلي، إلا أن من واجب أجهزة الأمن، شرطة إسرائيل وسلطة السجون ووحدات سلاح الاستخبارات العمل بسرعة من أجل القبض على أشخاص والسيطرة على وزارات وأرشيفات، والمؤسسات المالية والبنوك".

كذلك طالبت الكراسة القوات الإسرائيلية المحتلة بالسيطرة على المطارات المدنية والعسكرية، ونقل المسؤولية عليها إلى سلاح الجو الإسرائيلي، والسيطرة على الموانئ المدنية والعسكرية ونقل المسؤولية عليها إلى سلاح البحرية الإسرائيلي. كما طولبت القوات الإسرائيلية بالسيطرة على مصافي النفط وضمان عملها "واستغلال احتياطي الوقود في المخازن".

 قمع أي مقاومة للاحتلال

حددت الكراسة مهمات كل واحد من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في المنطقة المحتلة. وقالت إن "ضمن مسؤولية جهاز الأمن العام (الشاباك) منع، كشف، التحقيق، إحباط والقضاء على أنشطة سرية في المنطقة المحتلة، ومعرفة الأجواء السائدة بين السكان ومدى تأثيرها عليهم". كذلك تفصّل الكراسة مهمات الشرطة الإسرائيلية في المنطقة المحتلة، وبينها "مساعدة قوات الجيش في تنفيذ اعتقالات وتزع السلاح، وإجراء تحقيقات ضد مخالفي القانون من جميع الأنواع، بما في ذلك المتهمين بارتكاب مخالفات أمنية، وإنشاء شبكة تجسس، وتنظيم جهاز شرطة محلي وتكليفه مهمات محددة".

وفيما يتعلق بدور سلطة السجون الإسرائيلية في المنطقة المحتلة، اعتبرت الكراسة أن "جيشا في حالة انسحاب قد يفتح أبواب السجون ويحرر أسرى سياسيين وجنائيين. وتوجد مصلحة للقوة المحتلة بالقبض على هؤلاء الأسرى وضمان الحفاظ على أرشيفات السجون. وستكون هناك منشآت اعتقال في المنطقة المحتلة، ستعمل فيها الشرطة العسكرية بداية ثم تحول المسؤولية عنها إلى سلطة السجون".

وطالبت الكراسة قوات الجيش بتسيير دوريات في المناطق المحتلة، ونصب حواجز عسكرية ثابتة ومفاجئة. وشددت على وجوب حظر مظاهرات ينظمها السكان تحت الاحتلال، وتفريق المظاهرات "بواسطة استخدام القوة واعتقال المحرضين والمنظمين، وإعطاء أوامر بإطلاق النار بعد التحذير، وإطلاق قنابل مسيلة للدموع وخراطيم المياه". وفي حال خروج مظاهرات بمشاركة النساء فقط، فإن "تفريق مظاهرات كهذه بالقوة من شأنها أن تردع تنظيم مظاهرات أخرى".

وأضافت الكراسة أن "المظاهرات تعبر عن مقاومة الحكم (أي الاحتلال). ومن شأن ديمومتها واشتدادها وعدم السيطرة عليها أن تؤدي إلى مظاهر أخرى من التمرد والانتفاض. ومظاهر كهذه ينبغي قمعها بشدة... والاعتقاد هو أنه ستجري محاولات لتنظيم انتفاضة، ولذلك يتعين على قيادة الحكم العسكري إعداد خطة مسبقة لقمع حالات تمرد مسلح".

وأشارت الكراسة إلى أهمية جهاز التربية والتعليم في المنطقة المحتلة، وذلك لسببين: إعادة الحياة إلى طبيعتها رغم الاحتلال، وتوفير إطار للتلاميذ كي يبتعدوا عن الشارع. "على الحكم العسكري أن يدقق في مناهج التعليم وكتب التدريس قبل فتح المدارس، وإذا دعت الحاجة إلى إدخال تعديلات، ينبغي تنفيذها".

وطالبت الكراسة الجيش بتنفيذ حملات دعائية بين السكان الرازحين تحت الاحتلال. "وبشكل عام يتم التشديد على مساوئ النظام السابق، ويتم استعراض قوة الجيش الإسرائيلي الكبيرة، التي لا يوجد احتمال لهزمها، وتطرح نماذج حول تطور دولة إسرائيل وتقدم السكان العرب فيها"، علما أنهم كانوا يخضعون لحكم عسكري قبل ذلك بسنتين.

وقالت الكراسة إن "وسيلة السيطرة الأقوى الموجودة بحوزة الحكم العسكري هي القوة العسكرية، لكن نجاح الحكم العسكري يقاس بدون تفعيل القوة العسكرية"، لكن هذا أمر يكاد يكون مستحيلا لأن الاحتلال هو حالة لا يمكن أن يقبلها السكان تحت الاحتلال. وطالبت الكراسة "بتعيين قيادة مقبولة على السكان ومتعاونة (مع الاحتلال) بشكل معقول وتشجيع أنشطتها".


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة