مجموعة مسلماني
تحليلات: رسائل إسرائيلية بواسطة "درع شمالي" وارتداع من الحرب
12/5/2018 4:50:00 PM

 العملية العسكرية الإسرائيلية "درع شماليّ"، التي بدأها جيش الاحتلال، أمس، بادعاء كشف وتدمير أنفاق هجومية حفرها حزب الله عند الحدود، لم تترك انطباعا إيجابيا لدى جميع، أو حتى أغلبية، المحللين الإسرائيليين، وخاصة المحللين العسكريين بينهم، والذين يستمدون معلوماتهم ومواقفهم من ضباط في الجيش. وربما يكمن في ذلك ما يؤكد فعلا على وجود خلافات حول هذه العملية في قيادة الجيش الإسرائيلي، خاصة وأن بعض المحللين العسكريين شكك في مجرد تسميتها "عملية عسكرية"، كونها مختلفة عما اعتاد الإسرائيليون عليه. "عملية عسكرية" تعني بنظرهم إطلاق النيران إلى ما وراء الحدود واجتياحا بريا، مثلما حدث في غزة في العشر سنوات الماضية، أو عملية في دولة بعيدة، مثل "عملية عنتيبي" في أوغندا. وسقوط جنود قتلى وجرحى. ورغم ذلك، حذّر المحللون من تدهور "درع شمالي" إلى عملية عسكرية حقيقية والدخول في حرب مقابل حزب الله.

واعتبر المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، اليوم الأربعاء، أن "درع شمالي" هي "خطوة دراماتيكية. وطريقة تسويقها للجمهور صبغتها بألوان دراماتيكية جدا. هذه ليست عملية عينتيبي ولا السيطرة على السفينة كارين ايه. إنها خطوة مبررة، ضرورية، ونحن نعرف كيف بدأت لكن لا أحد، ولا حتى رئيس هيئة الأركان العامة، يعرف كيف ستنتهي".

رغم ذلك، أشار برنياع إلى حسابات وتقديرات إسرائيل؟ "التقديرات في الجيش الإسرائيلي مركبة: من جهة، ليس معقولا أن (أمين عام حزب الله حسن) نصر الله سيرد على فقدان أنفاقه بهجوم صاروخي على إسرائيل؛ من الجهة الثانية، لا يوجد ضمان بأن يتصرف بشكل معقول. ونحن نعرف أن نصر الله قادر على اتخاذ قرارات غير معقولة. وبعد انتهاء حرب لبنان الثانية، في العام 2006، اعترف علنا بأن قراره بخطف الجنديين، الذي أدى إلى الحرب، كان خطوة غير مدروسة. وقد يتكرر هذا الخطأ هذه المرة أيضا، بعد كشف النفق الثالث، الرابع أو الـ17".

وبالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، حسب برنياع، فإنه "يرى فائدة دعائية بوضع حزب الله وإيران في مقعد المتهمين الدولي. وبالنسبة للعالم، هذه أخبار قديمة. لا أحد ينفعل منها. وتوجد لإسرائيل مصلحة في إحراج قوات الأمم المتحدة وضباط يونيفيل. فعندما اشتكت إسرائيل أمام ضباط يونيفيل على نصب منصات صواريخ ووجود مخازن صواريخ في بيوت في جنوب لبنان، وخروقات أخرى للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، أجابوا أنه ’ليس لديكم أدلة، ولا يمكننا فحص ادعاءاتكم لأنه يحظر أن ندخل إلى ملك خاص’".

وتطرق برنياع إلى أقوال وزراء أعضاء في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) ومسؤولين وصحافيين ربطوا بين "درع شمالي" والتحقيقات بشبهات فساد ضد نتنياهو. "هناك ادعاءات بأن نتنياهو يستخدم الجيش الإسرائيلي من أجل الابتعاد عن التحقيقات. مثلما هو عمق التحقيقات هكذا يكون عمق الأنفاق. وبقدر ما يمكنني أن أحكم على الأمور، فإنه لا يوجد لهذا الادعاء أساس في الواقع. التحقيقات على حدة والأنفاق على حدة".

لكن بالإمكان اعتبار هذه الفقرة الأخيرة لبرنياع على أنها مجرد فذلكة. وكتب المحلل العسكري في "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، أن "رئيس أركان الجيش، غادي آيزنكوت، كان العامل الفعال الذي دفع إلى عملية كشف وسد فوهات الأنفاق (قبل أشهر). وبدأ التحول (لتنفيذ عملية ضد الأنفاق) في أعقاب استقالة (وزير الأمن أفيغدور) ليبرمان. وشخّص نتنياهو، كوزير للأمن، الفرصة السياسية الكامنة في عملية عسكرية كهذه وركب على ظهر رئيس أركان الجيش. ومنذ هذه اللحظة وما بعدها بدأت خطاباته وتلميحاته حول حملة عسكرية كبيرة تنتظر خلف الزاوية. وارتفع مستوى التوتر والهلع لدى الجمهور الإسرائيلي من دون مبرر، لكن هذا خدم حاجة سياسية".

ويشير فيشمان بذلك إلى خطاب نتنياهو عشية مؤتمر صحفي عقده رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، وزميلته وزيرة القضاء، أييليت شاكيد، اللذان أرادا فيه الإعلان عن استقالتهما وانسحاب حزبهما من الائتلاف، ما يعني سقوط حكومة نتنياهو، بعد رفض الأخير تعيين بينيت وزيرا للأمن خلفا لليبرمان. وأوحى نتنياهو في خطابه ذاك بأن إسرائيل توشك على الدخول في حالة أمنية، ورأى البعض أنه ألمح إلى أن إسرائيل توشك الدخول في حرب. وقد نجح نتنياهو بذلك في منع سقوط حكومته، حتى الآن.

اللافت في تحليل فيشمان وكذلك تحليل المراسل العسكري للصحيفة، يوسي يهوشواع، خلافا لتحليل برنياع، أنهما يشككان في توقيت عملية "درع شمالي" وجدواها الآن، وذلك بالاستناد إلى أقوال ضباط في قيادة الجيش الإسرائيلي.

ووفقا لفيشمان، فإنه في إسرائيل "لا يريدون حربا، لكنهم يستخدمون خطابا قتاليا قد يجر الجانب الآخر (حزب الله) إلى رد فعل. وقبل شهر كان هناك شكّ حول ما إذا كانت هذه العملية ستخرج إلى حيز التنفيذ في التوقيت الحالي. وتعالت أصوات في الكابينيت وفي هيئة الأركان العامة، ادعت أنه لا يوجد نضوج جيد بعد من أجل الانتقال من نشاط سري لكشف الأنفاق إلى عملية علنية مصحوبة بضجة إعلامية، كي توضح لحزب الله أن إسرائيل توشك على تحطيم قدرة هجومية أخرى حفرها الحزب في السر منذ أكثر من اربع سنوات".

وأوضح فيشمان أسباب معارضة تنفيذ هذه العملية في التوقيت الحالي، حيث "ادعوا أن كشف معلومات استخبارية بحوزة إسرائيل في التوقيت الحالي سيمكن حزب الله من الاستعداد بشكل أفضل للمستقبل، أي حفر أنفاق أكثر عمقا وبمسارات أخرى وتغيير خطط هجومية واستخلاص دروس على ضوء شفافية خطواته. كما طرح المستوى السياسي التخوف من أنه إذا اكتشف حزب الله أنه يفقد الأنفاق فإنه قد يبكر تنفيذ خططه ويهاجم قبل أن يفقدها كلها. وهذا الخوف من مواجهة مع حزب الله هو عامل أساسي يخيم طوال الوقت كسحابة، ليس فقط فوق المستوى العسكري وإنما فوق المستوى السياسي" في إسرائيل.

وأشار فيشمان إلى أنه على الرغم من أن إسرائيل وحزب الله لا يريدان الحرب الآن. "وبدلا من إطلاق النار فإنهم في إسرائيل يرحبون بالعملية. ويسمون هذا حربا على الوعي. وغاية هذا المجهود هو التأثير على النظام والجمهور اللبناني، كي يمارس ضغطا على حزب الله ليخفف ملامحه العسكرية. وغايته الأخرى تجنيد شرعية دولية في حال قررت إسرائيل مهاجمة حزب الله في لبنان. وكشف فتحات الأنفاق هو ارتقاء درجة في هذه الحرب".  

وشدد فيشمان على أن آيزنكوت أصر على تنفيذ هذه العملية ضد أنفاق حزب الله رغم أنه لم تكن هناك حاجة ملحة لها، خاصة وأن حزب الله لا يستخدمها حاليا لشن هجمات أو شابه. "فالأنفاق عند حدود الشمال هي قصة بدأت قبل 15 عاما على الأقل، وقيادة الجبهة الشمالية بقيادة رئيس الأركان المعين، أفيف كوخافي، استثمرت مئات ملايين الشواقل في بناء عائق يشمل أسوارا وجدران وغير ذلك".  

ورأى فيشمان أن السؤال الأكبر الآن هو "ماذا سيفعل حزب الله طوال فترة هذه العملية التي ستدمر فيها إسرائيل نفقا تلو الآخر. هل ستجري محاولة لتشويش الأعمال مثلما حدث عند حدود غزة؟ وإذا حدث هذا، كيف سيكون رد إسرائيل؟ وإذا كانت الحدود الشمالية، حتى الأمس، أقل قابلية للاشتعال من حدود قطاع غزة، فإننا نتحدث منذ اليوم على جبهتين حدوديتين قابلتين للاشتعال في أية لحظة". 

وبحسب يهوشواع، فإنه "كان هناك ضباط كبار نصحوا آيزنكوت بإرجاء هذه العملية لبضعة أشهر. وحتى الأمس، تعالت أصوات في هيئة الأركان العامة والتي اعتقدت أن آيزنكوت يُحمل نفسه مخاطرة كبيرة عشية نهاية ولايته. وتساءل أحد الضباط برتبة لواء: ’لماذا هو بحاجة إلى ذلك؟’. وسبب التشكيك هو أن لا أحد كان متأكدا من العثور على نفق في اليوم الأول. وبعد وصول الصور حول النفق ودخول ناشط في حزب الله إليه، أصبحت هناك حاجة للعمل. ووصفوا في هيئة الأركان العامة كشف النفق بأنها ’معجزة حانوكا’ (عيد الأنوار الذي يحتفل به اليهود الآن)". لكن يهوشواع رأى أنه "ربما في المستوى التكتيكي على الأقل، في حالة كشف نفق واحد، هم محقون. لكن مقابل تهديد حزب الله بمجمله، المعجزات لن تكفي، ولذلك يجدر أن نستعد بما يتلاءم مع الوضع".

اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "يسرائيل هيوم"، يوءاف ليمور، أن إسرائيل "حققت أمس إنجازا هاما، ليس ضربة قاضية ستحسم الحرب القادمة". وبحسبه فإن "حزب الله خطط منظومة أنفاقه كمفاجأة إستراتيجية، ضاعت الآن، لكن ليس هذا ما سيدفعه إلى تغيير خططه. وبسبب الوضع السياسي المعقد في لبنان والأزمة الاقتصادية التي يعاني منها، لديه مصائب أكبر، وخاصة عندما تخيم طوال الوقت إمكانية شن عملية عسكرية إسرائيلية أوسع ضد مصانع تحسين دقة الصواريخ في لبنان".

وادعى ليمور أن كشف إسرائيل لما تصفه أنه مصنع لتحسين قدرات الصواريخ هو الذي فاجأ حزب الله، لكن "الغاية الحقيقية لعملية ’درع شمالي، هي دول العالم. والرسالة الإسرائيلية التي رافقتها واضحة: حزب الله يخرق القرار 1701 للأمم المتحدة والسيادة الإسرائيلية، وقد يجلب حربا إلى المنطقة. وفي إسرائيل يأملون بأن كشف النفق سيثير سجالا داخليا في لبنان وما إذا كان حزب الله هو ’درع لبنان’ مثلما يدعي، أم أنه ’خطر على لبنان’ مثلما تقول إسرائيل".

ويقول الجيش الإسرائيلي إن عملية "درع شمالي" تجري في الجانب الإسرائيلي من الحدود، ولكنها قد تنتقل إلى الجانب اللبناني. ورأى ليمور أن وضعا كهذا "يستوجب تحمل مخاطر بمستوى آخر. وعلى الأرجح أن إسرائيل ستفعل ذلك فقط في حال كانت مقتنعة أن حزب الله لن يرى بذلك ذريعة للحرب".

ولفت ليمور إلى وجود ردع متبادل بين إسرائيل وحزب الله: "الردع يعمل في كلا الاتجاهين. فالمصنع الذي يخرج النفق منه في الجانب اللبناني يقع على بعد بضع عشرات الأمتار عن الحدود. وفي فترات أخرى كانت إسرائيل ستدخل إلى الأراضي اللبنانية وتدمر النفق كله، لكنها تحترس الآن كي تمتنع عن التصعيد".

وتابع أنه "ينبغي أن نتذكر أن جلّ قوة حزب الله ليست موجودة تحت الأرض وإنما في أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة صاروخية، وبعشرات آلاف المقاتلين وبوسائل متنوعة أخرى. والمجهود (الإسرائيلي) الحالي هو زجه في الزاوية وردعه. وحقيقة أن الولايات المتحدة انضمت إلى الحملة، مع إمكانية فرض عقوبات أخرى على الحزب، من شأنها أن تساعد في ذلك، لكن حزب الله سيبحث عن طرق التفافية جديدة وعلى الأرجح سيعثر عليها بمساعدة إيران".

ورأى ليمور أن "المهرجان الإعلامي الذي رافق العملية كان مبالغا فيه. ورغم أهمية كشف النفق، لكن هذا لا يغير الوضع من أساسه. وما زال بانتظار إسرائيل تحديات، وربما هي في الحلبة اللبنانية في الأساس".

كتب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق والرئيس الحالي لـ"معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، عاموس يدلين، في "يديعوت أحرونوت" أن اتخاذ الحكومة والجيش في إسرائيل قرارا حول "عملية عسكرية استباقية" ضد تهديد إستراتيجي كبير أو الامتناع عن شن عملية كهذه، هي المعضلة الأصعب.

ولفت إلى أن إسرائيل تبنت "عقيدة بيغن"، التي وضعها رئيس الحكومة الأسبق مناحيم بيغن، عندما قرر شن هجوم ضد المفاعل النووي العراقي في العام 1981. وكرر ذلك رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، عندما قرر مهاجمة منشأة في دير الزور السورية ووصفها بأنها مفاعل نووي. وأضاف أن "أنفاق حزب الله هي تهديد بحجم آخر. وهي جزء من إستراتيجية ’هجوم بري ضد الجليل’ وتحدث عنه نصر الله منذ بداية العقد الحالي".

وبحسب يدلين، فإن المعضلة التي كانت ماثلة أمام الكابينيت وهيئة الأركان العامة في إسرائيل، بشأن "درع شمالي"، هي بين "المبادرة لخطوة الآن من أجل إحباط تهديد بغطاء شرعية دولية، لأن العملية تجري في الأراضي الإسرائيلية"، وبين "إرجاء هذه الخطوة، ما يعني أنه في حرب قادمة سيكون بالإمكان إنزال ضربة كبيرة ومفاجئة على حزب الله وفيما يتواجد مقاتلوه داخل الأنفاق".

وأضاف يدلين أن قوة حزب الله لا تقتصر على الأنفاق، وإنما هناك "مشروع الدقة"، أي تحسين الصواريخ وجعلها أكثر دقة، "والمعضلة هنا أقرب بتعقيداتها إلى حالات من الماضي والحاضر في العراق وسورية وإيران"، أي "عقيدة بيغن". وامتدح يدلين آيزنكوت في العملية الحالية، لكنه أشار إلى أن "التحدي الأهم موضوع أمام خلفه أفيف كوخافي" في مواجهة "مشروع الدقة".


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة