مجموعة مسلماني
في الطريق "معتقل مجدّو"
1/10/2018 1:45:00 AM

بقلم أسامه منصور "أبو عرب" :  تتسلسل أنفاسك ليلاً كمتتالية حسابية .. وتبدأ بإعادة حساباتك فيما يجب أن يُقال غداً عندما تلتقي ابنك البكر .. وتبدأ بحرق مراحل التفكير فالليلة يجب أن تأوي لفراشك باكراً، وتظل في نقاشك مع نفسك، فيما يرتفع صوت أذان الفجر وأنت ما زلت تصر أنك يجب أن تنام باكراً، وفي معرض تفكيرك المستمر المكفهر، تفقد يقظتك وتبحر في نومك اللامتجانس مع النوم الحقيقي، وتستيقظ بعد حوالي ساعتين من النوم، تلتهم قهوتك على عجالة لتبدأ رحلة الألم والمعاناة، الجديدة عليك القديمة جدا لبعض الأهالي الذين يزورون أبناءهم قبل سنوات طوال ..عدد سنوات وشهور وأيام وساعات ودقائق بقاء أقدم سجين في سجون العنصرية الظالمة التي لا تزال مستمرة .. ولا يزال هو ورفاقه شامخين صامدين.

في الطريق إلى "معتقل مجدّو" تنتظم الحافلات وتنطلق من منطقة قريبة من وسط المدينة باتجاه الحاجز الأحتلالي الذي يفصل أرضَنا عن أرضِنا شمالي مدينة جنين وتبدأ بتفقد نفسك والتأكد أنك ضمن المواصفات المطابقة للعابرين، وحتى لا تترك أي مجال للإحتلاليين العاملين على الحاجز بأن يقوموا بإرجاعك لأنك مُخالف في أوراقك أو طولك أو نظرتك أو حذاءك، وتبدأ بتجاوز "المعّاطات" "معّاطة" تلو الأخرى وجهاز تلو الآخر، وأنت تمتثل لها كلها دون أن تخفي انفعالاتك وكزّك المستمر على لسانك وأسنانك وإبحارك بالأهم وهو لقاؤك الأول بابنك الأسير.

وفي الطريق إلى "معتقل مجدّو" بعد هذه الإجراءات تجلس في ساحة الحافلات منتظراً باقي الأهالي وانتهاءهم من مرحلة التفتيش الأمر الذي يمكن أن يستمر ساعتين وفي معرض جلوسك تعلم أن الزيارات المنطلقة اليوم هي ل "جلبوع" و "هداريم" و "مجدّو"، ثم تبدأ الحافلات بالإنطلاق مع ملاحظة أن الوقت يمر ثقيلاً متثاقلاً منذ لحظة انطلاقك من منزلك، ومع أن الرحلة من الحاجز الإحتلالي إلى مجدو تستمر حوالي عشرون دقيقة إلا أنك تشعر أن أياماً طويلة قد مرت وأنت ما زلت مكانك لم تتقدم، ورغم أنك ذاهب للقاء ابنك اللقاء الأول بعد العملية المسعورة التي استهدفت اعتقاله في يوم ميلادك بالضبط قبل حوالي سبعة شهور إلا أنك لن تمنع نفسك ما دمت فلسطيني من الإبحار في ملكوت أرضك المغتصبة وامتداد سهل مرج ابن عامر في فضاء الكون فتترآى لك السنوات تطل من خنادق السهل الممتد على امتداد ناظريك فها هي الحرب العالمية الأولى و "سايكس-بيكو" و "وعد بلفور" و "سان-ريمو" وثورة البراق وثورة فلسطين الكبرى وتشكيل جيش الجهاد المقدس والحرب العالمية الثانية وقرار التقسيم ومعركة القسطل وهزيمة (1948) وقيام ما يسمى إسرائيل والمذابح والمجازر والعدوان الثلاثي على مصر وانطلاقة منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاقة الثورة الفلسطينية وهزيمة (1967) ومعركة الكرامة واحداث ايلول وحرب "أكتوبر" وحرب الاستنزاف واجتياح بيروت والإنشقاق ومعارك المخيمات والإنتفاضة الأولى واتفاقية أوسلو والإنتفاضة الثانية .. وتجد كل مخيمات شعبنا العظيم على اختلاف أماكنها تحدق بك وتجد كل هذه الدماء التي سالت تحيط بك من كل ناحية وتفيق على أصوات تتعالى لهفتها وصلنا.

أهالي الأسرى يبدؤون بالزحف بثلاثة اتجاهات، شباك الدخان .. شباك "الكنتينة" و شباك تسليم الملابس .. فيما يتريث البعض ويجلسون ينتظرون وتبدأ بالمرور بتلك الوجوه التي تتراوح من عام او عامين الى سبعين او ثمانين او مئة عام .. ولكل واحدة وواحد قصة وحكاية وتستطيع أن تلحظ الأخاديد قد أثبتت وجودها في بعض الوجوه التي تزور الأسرى منذ عقدين أو أكثر.

يبدأ الغيلان بالنداء معلنين ان الزيارات ستكون على ثلاثة أفواج ويتضح لي أن الفوج الأول لأهالي الأشبال .. ويبدأ الأهالي بالإستعداد ويبدؤون بالمرور في مراحل التفتيش المذل .. وأتكئ لكرسي وأبحر مرة أخرى فيما أنتظر دوري للفوج الثاني.

في "معتقل مجدّو" أستمر في قراءتي للوجوه فهذه طفلة تلتهم شطيرتها .. فيما يناكف طفل هناك طفل آخر .. وهناك سيدة تفرغ كيس ملابس أباها أو أخاها أو زوجها أو ابنها أو ابنتها ثم وتشهق بصوت مرتفع محدثة أختها أو لا أعلم "شفتي يا فاطمة انسيت الجرابات" وأستطيع أن أميز دمعة تكاد تنهمر من عيناها لولا قيام سيدة عجوز مبادرة باحتواء الموقف حيث هرعت مسرعة تحمل في يدها زوجين "خذي هذول زيادة ما رضيوش يدخلوهن لإبني خذيهن" ترفض أخذهن لكن السيدة المبادرة تصر "والله العظيم ما برجعن" منهية بذلك حالة الشعور بالذنب التي كانت ستسود، رجل خمسيني أصيب بالشلل أثناء اعتقاله يرتكز لكرسي ذوي الاحتياجات الخاصة الذي جاء به لزيارة ولديْه المعتقليْن أحدهم منذ (16 عاماً) والآخر منذ (23عاماً) يهز رأسه ملاحظا ما جرى ومبديا موافقته على المبادرة، وفي زاوية الساحة عائلتين أو ثلاثة يتجاذبون الحديث حول أحوال الأسرى والدقائق تمر بطيئة ويبدأ النداء للفوج الثاني وتبدأ دقات قلبي في التسارع.

رحلة أخرى من عمليات التفتيش والإذلال الممنهج الذي لا علاقة له بالذريعة الأمنية، وننتقل من ساحة إلى أخرى ثم ننتقل الى مكان ثالث حيث محطات الإلتقاء بالأسرى من خلف الزجاج، وفيما أحاول تمييز ثائر أجد يداً تلوّح بقوة، إنه ثائر البطل، أسرع خمسة واربعون دقيقة مرّت علي في حياتي، لم ينته الحديث ولم نكمل الكلام.

في الطريق من "معتقل مجدّو" .. تبدأ باستعادة كل كلمة تحدثتها مع ابنك الذي كان يحقنك خلال المحادثة بكل ڤيتامينات المعنويات وعلى كافة الأصعدة، وتَتَجَهّم ويبدأ إنزيم الغضب بإفرازاته، لماذا يقوم أولٰئك المارقون المجرمون القاتلون باحتجاز أبناءنا وبناتنا وإخوتنا وأخواتنا وآباءنا وأمهاتنا في معتقلاتهم المجرمة الحقيرة، لماذا يستحوذ هؤلاء على أرضنا يقتلعون ما يشاؤون ويبنون هذه الكتل الإسمنتية، لماذا يقوم هذا الإحتلال الحقير بقتل من يشاء كما يشاء وجرح من يشاء كما يشاء وأسر من يشاء كما يشاء، لماذا يمعن هذا المحتل الحقير بإذلال الفلسطيني ويتماهى معه بعض الأشقاء، لماذا لا أحد يردع هذا الإحتلال.

في الطريق إلى ومن "معتقل مجدو" حياة أخرى لا علاقة لها بكل الهرطقات والخزعبلات والحقائق التي نعيشها في غير هذا الطريق، في الطريق تلك كل شيء يبدو واضحا جليّاً، وتستطيع أن تلاحظ مدى الضبابية التي تعيشها أنت واختلاطك اللامشروع في كنهك المشروع، في الطريق للمعتقلات وأمام حكايات الصمود واختلاط المعاناة بالشموخ تدرك إدراكاً نهائيّاً أنه لا سلام مع المحتل الغاصب اللعين.

(أسامه منصور "أبو عرب" 09/01/2018).


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة