مجموعة مسلماني
مسلسل الطاووس للمخرج المصري المبدع " رؤوف عبد العزيز " يبهج الشاشات العربية ويقدم نموذجا للدراما النظيفة الثائرة
4/28/2021 1:36:00 AM

قراءة  / مصطفى النبيه - مساحة من الفضاء والجمال على الشاشة الساحرة الصغيرة، انتصاراً للمرأة وللمستضعفين في الأرض. مسلسل "الطاووس" الزائر الجميل في هذا الشهر الفضيل ينهض ثائرا عبر الشاشات ليروي ما تتعرض له الطبقة المسحوقة من ألوان قاتمة لعملية الاغتصاب المعنوي والجسدي، ويعرّي الشريحة الانتهازية الفاسدة في الرأسمالية التي تتحكم بسلطة القانون وتسخّره لرغباتها الشخصية.

منذ زمن بعيد ونحن نعيش فوضى اللاجمال  واللامضمون ونُحشى بأفكار تصعد بنا إلى الهاوية، تأخذنا لعالم موحش تسيطر عليه الرأسمالية حتى أصبح الإنسان مجرد رقم. تساقطت المفاهيم الأخلاقية وتفرغ الفن من مضمونة التوعوي التثقيفي وأصبحت الشاشة الصغيرة زائرا ثقيل الظل يقتحم بيوتنا بأفكار تتنافى مع قيمنا وعاداتنا وتغذينا عنفا، وتشعل الرغبة الجنسية في الأجيال، وتشبعنا أنا، تدس السم في العسل، تبيح المحرّمات، معتمدة نهج التشويق والإثارة لتسرق الشباب ليغرقوا بما يغيبهم عن الواقع على حساب المضمون. فبعد السنوات العجاف التي مرت بها الدراما العربية يخرج من وسط الزحام مسلسل "الطاووس" بألوانه الزاهية المبهجة للمخرج  "رؤوف عبد العزيز " ليضع المشاهد العربي أمام مسؤوليته الأخلاقية الإنسانية ، ويعيد للدراما العربية رونقها  وللدراما المصرية دورها الريادي الطليعي في بناء الإنسان، فنحن أمام مسلسل ينتصر للطبقة المسحوقة المستضعَفة  ويعرض جريمة من أقسى الجرائم التي تتعرض لها  الإنسانية  وهي الاغتصاب..  حيث نشاهد فتاة خريجة جامعة  أتعبتها الحياة فاجتهدت على أمل أن تعيش حياة نظيفة آمنة لا يُمتهن بها جسدها، لكنَّ الذئاب البشرية تنهشها وتستكثر عليها وجع وضنك الحياة ومحاولتها البائسة للعيش بسلام. 

قصة المسلسل

يروي مسلسل  "الطاووس" حكاية " أمنية "، الفتاة  الجامعية  التي تعمل لتعيل أسرتها، وعندما تتخرج من الجامعة يُطلب منها ثلاثة آلاف جنيه باقي رسوم التعليم حتى تحصل على شهادتها. فتأخذها صديقتها للعمل خادمة في الحمامات في إحدى القرى السياحية ، وأثناء حفل زفاف لابن المستشار " حسام شرف الدين " تقرر أن تخرج هي وصديقتها لالتقاط صورة تذكارية وخلفهم الفرح،  فالفرح بالنسبة لهم حلم، أثناء ذلك يشاهدها أصدقاء العريس الأربعة الذين يمثلون فساد الطبقة الرأسمالية فيقررون اغتصابها، ينظرون إليها على أنها مسخ بلا قيمة،  عاملة  تنظيف بدورة مياه. فيقومون بتخديرها بمادة مخدرة ويجرّونها ليفعلوا فعلتهم النكراء. أثناء ذلك يقوم أحدهم بتصوير الجزء الأول في الشروع بعملية الاغتصاب، وبعد  نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يلتفت للحدث المأساوي المحامي  " كمال الأسطول "، وهو محامٍ تاجر يهتم بالتعويضات وينظر للقضية بداية على أنها مشروع ربحي وعندما  يلتقي بالفتاة ويدور بينهما حوارٌ مؤثر يتغير نهجه ويقرر الدفاع عنها وتتوالى الأحداث .

يتلخص المسلسل بحوار الفنانة القديرة "سميحة أيوب"  والتي تقوم بدور "ماتيلدا " بالحلقة الثانية عشرة وهي تخاطب الشاب المحامي الرومانسي " توفيق العزب " القادم من الأرياف المتخيل أن الحياة وردية والقانون سيفرض سلطته ويحتوي الجميع  تحت جناحيه. نص الحوار ماتيلدا : مالك أنت اتخانقت مع كمال تاني : توفيق يهز برأسه نافيا ثم يسألها ست ماتيلدا هو أنت بتعرفي الأستاذ كمال من زمان .. ما تيلدا:  آه بتسأل ليه .. توفيق : أنا بسأل عادي .. أنا حاسس نفسي بتعلمش حاجة وإن بتعلم حاسس أني بتعلم حاجة غلط . ماتيلدا : كلكم مستعجلين  هو أنت  لسه قعدت مع كمال عشان تتعلم منه  مالكم مستعجلين ليه ومتلهوجين ليه والتانية الأخرى  أهي طفشت روح وراها لسه الدنيا ما داست إلكم على طرف وبتعملوا كده ،أمال لما تشوفوا اللي احنا شفناه حتعملوا إيه حتموتوا نفسكم " هذه رسالة واضحة أن الحياة تحتاج للعمل ولا تحتمل الضعفاء و الحقوق لا تمنح بل تنتزع انتزاعا. وفي نفس الحلقة  تتحدث الفنانة "مها نصار " التي تقوم بدور الصحفية "فريدة " مع الضحية " أمنية " عن دلالات طائر الطاووس والظلم والقمع التي تتعرض له المرأة وتطلب أن يكون دور فعال للمرأة بالدفاع عن حقوقها  .. فالنص يعبّر عن النزعة الذكورية في المجتمعات العربية واضطهادها للمرأة وهذا يخالف الشرائع السماوية   "  فريدة : أنا مش فاهمة ازاي يطردك من بيت أبوك .أمنية : أنا مش عايزة أختي تطلق بسببي، سمية غلبانة وملهاش حد ..فريدة : أختك لو تطلقت مش بسببك في ناس لما تسكتي عن حقك بيفتكروا دا ضعف منك مش كرم أخلاق.أمنية : أنا ما بقتش أعرف اللي بعمله صح وإلا غلط ،أنا تايهة أنا حاسه إني بقيت غريبة قوي . فريدة : إنت مش غريبة المجتمع إللي عايشين فيه غريب مجتمع بينصف الراجل على حساب الست، مع إن كل الأديان السماوية قالت تعاملوهم بالمودة والرحمة فين بقى المودة والرحمة لما الراجل بيضرب الست و لما يهينها ويتحرش بيها في المجتمع إلا إحنا عايشين فيه الراجل بيمشي  فارد ريشه زي الطاووس وببص للست على أنها أقل منه ونسي أنها بني آدم ،أنا مش عايزاك تخافي أنا وعدتك أجيب حقك " بهذه العبارات تتلخص فكرة العمل ورسالته التوعوية .

سر جمال هذا المسلسل الرائع عبقرية المؤلف كريم الدليل وإشراف محمد ناير وطرحهما فكرة تؤرق العالم بأسلوب جديد ومشوّق وهي قضية الاغتصاب التي عالجتها الشاشات العربية   والعالمية سابقا بالعديد من الأفلام والمسلسلات على مدار الزمن وحتى يومنا هذا. ونموذجا لذلك فيلم "المغتصبون" بطولة "ليلى علوي " الذي قدم في الثمانينيات مرورا بالمسلسل التركي "فاطمة"، والعديد من الأعمال التي عالجت بشاعة الجريمة. حتى شخصية محامي التعويضات في مسلسل "الطاووس" تكررت بأكثر من عمل ومن أهمها فيلم " ضد الحكومة " للفنان الراحل أحمد زكي وخطبته التاريخية المؤثرة " كلنا فاسدون لا أستثني أحد ".. فمن يتابع مسلسل الطاووس يدرك أن الأحداث قديمة جديدة وستتكرر اليوم وغدا، ما دمنا نعيش الخنوع، وأكبر دليل جريمة اغتصاب فتاة  الفيرمونت التي أشعلت وسائل التواصل. وهنا تكمن حرفية وإبداع طاقم العمل وقدرتهم على الإقناع بأسلوب مختلف، بداية من المؤلف الذي  سخّر أدواته ونسج من الحكايات المستهلكة، عالما جديدا يشع جمالا، يشدنا ويجعلنا نتابع العمل بشغف من خلال مخرج  عبقري يعمل على الشكل والمضمون. قدم لنا معالجة فنية بصرية بعيدا عن العُري وإشباع الرغبات والحشو والابتذال وجنون التقنية ، حافظ على إيقاع بصري، فلم نشعر بالملل لحظة، بنى مشاهده بانسيابية وجعلنا مشاركين لا متلقين للعمل حيث اعتمد في رؤيته الإخراجية  على الأسلوب المتوازي في المونتاج.  فنحن أمام صراع بين شريحتين:  الشريحة الأولى الطبقة الرأسمالية التي تفرض هيمنتها وسلطتها على القانون، والشريحة الثانية عامة الشعب المعذبون في الأرض والذين يُنظر إليهم كعبيد يعيشون في أدنى مستويات الحياة، وقد خلقوا ليكونوا أحذية للرأسمالية. وهذا ما يعبر عنه "المحامي ضياء، " الفنان  أحمد فؤاد سليم  والذي يمثل الانتهازية الرأسمالية فهو يستهين بالضحية "أمنية " ويتحدث عنها باستهتار لكونها عاملة نظافة في دورات المياه .

اختار الكاتب نماذج من المجتمع العربي.. المحامي الفاسد الذي يتمرد على فساده وينتصر لفتاة من عامة الشعب تم اغتصابها والتشهير بها. يجسد الدور الفنان السوري العبقري جمال سليمان بشخصية  كمال الأسطول " والذي اعتمد على الانفعالات الداخلية في التعبير عن مشاعره. فهذه الشخصية الغامضة المتناقضة والتي تحمل سكون البحر وهيجانه تخفي سرا. فهو الرجل الصامت الذي يعبر بالإيماءات أكثر من الحديث ، تكوين شخصيته النامية تتضح معالمها مع تطور الأحداث وقد تحدث عن بطولته المحامي" توفيق العزب " الفلاح البسيط الرومنسي الحالم  القادم من الأرياف  والذي يعتبره  قدوته، فهو من سيمنحه معرفة ويعلمه النضال من أجل  الطبقة المسحوقة،  فبالنسبة له " كمال الأسطول " ملاك يسير على الأرض، بطل وطني وقف ضد الفساد في قريته  وحارب أصحاب مصنع الصلصة بعد أن  تسمم " المحامي توفيق  وهو صغير ".  تتوالى الأحداث ويدور حديث ما بين المحامي توفيق عزب مع أستاذه  كمال الأسطول، محور الحديث يدور عن سيارته القديمة ولماذا يتمسك بها ولا يفكر بتغييرها فيحكي له عن أمجادها وكيف شاخت مع الزمن لكنها تحتفظ بأصالتها، وهذا مفتاح أيضا لتحليل شخصية الأسطول. جسّد دور المحامي المتدرب ابن القرية الفنان المبدع  المتألق" يوسف الأسدي" وقد تألق بتجسيد الشخصية بحرفية عالية وإتقان.

أما الشخصية الرئيسية للعمل  " أمنية "، بحر المشاعر المتدفقة، ابنة الحي الشعبي التي تناضل لتعيش بكرامة ويتم اغتصابها والاستهتار بمشاعرها فيموت والدها من الصدمة، فقد جسدت الدور بتألق وحرفية عالية المبدعة  " سهر الصايغ "  والتي  أذهلت المشاهدين في الوطن العربي  بشفافية انفعالاتها وصدقها حيث جعلت المُشاهد لأول مرة يشعر أنه جزءٌ رئيسي فعال ومشارك بالعمل يبكي ويضحك، ينفعل ويثور،  ويتابع أنفاسها وينتصر لقضيتها التي تجسدها. فنحن أمام فنانة عبقرية  لم تشعرنا للحظة أنها تمثل، وبكل تأكيد يقف خلفها مخرج مبدع يعتمد بإخراجه على الانفعالات الصادقة النابعة من الشخصية،  فهو يعمل على سيكولوجية الشخصية وبنائها من الداخل والذي سيؤثر على  التعبير الجسدي لاحقا .  فمثلا "أمنية" من وحشية الاغتصاب مازالت تهوِي على قدمها. كما اعتمد  مخرج العمل على الواقعية التلقائية في بناء مشاهده وعلى اللقطات الثابتة  في التكوين وخاصة مع الضحية ومن يلتفون حولها  ليقول إن الحدث أعظم من مجرد مشهد.

اختار الكاتب شخصية الأم المسيحية المتسامحة ليقول إن الدين لله والوطن للجميع، وبأن الحياة تكتمل إن تسامينا فوق الفئوية والحزبية وانتصرنا للإنسان والإنسانية، وهذه رسالة سامية يحتاجها العالم. 

مسلسل "الطاووس" عبارة عن وجبة فنية شهية، إيقاعها منتظم، تحمل في طياتها عناصر الإبداع. الأسماء تدل على الشخصيات والعنوان معبّر. فنحن أمام مسلسل لا ينظر للكون بعين واحدة ولم يفرض النظرة السوداوية ولم يعمم الجريمة على شريحة الأغنياء، فمنهم نماذج تنتصر للقانون والحق ،مثل المستشار" حسام شرف الدين " وعائلته، وقد جسد الدور الفنان المبدع جمال عبد الناصر.

وأخيرا المجتمعات بشكل عام يغزوها الخير والشر، فالإنسان من طبيعته أن يخطئ وقد جسّد الشر مجموعة من الفنانين المبدعين وعلى رأسهم الفنان القدير أحمد فؤاد سليم بدور ضياء شاهين، كما أبدع الفنان "عابد عناني " بدور زين ضياء الدين رمز الشر والجريمة.

"الطاووس" مسلسل عربي ينتصر للأخلاق، ضيف عزيز للعائلة العربية لا يخدش الحياء. فأهلا وسهلا بالأعمال التي ترتقي بالإنسان، فكل الحب والتقدير لكل من أسهم في إخراج هذا  العمل للنور، عمل يستحق منا كل الثناء والتقدير.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة