شهادات مروعة من غرف العتمة.. أسرى محررون يروون فصول التعذيب بـ'التوابيت' وبتر الأعضاء
4/18/2026 7:50:00 AM
تتكشف يوماً بعد آخر فصول مروعة من الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث روى محررو قطاع غزة شهادات قاسية تتجاوز حدود العقل البشري. من بين هذه القصص، تبرز معاناة الأسير المحرر عماد أبو نبهان، الذي قضى 15 يوماً محشوراً في 'تابوت' ضيق صُمم خصيصاً لتقييد حركته ومنعه من رؤية النور، في تجربة وصفها بأنها 'موت بطيء'.
أوضح أبو نبهان أن السجانين كانوا يمدونه بالغذاء عبر أنبوب رفيع يمر من ثقب صغير في الصندوق، ولم يكن الهدف من ذلك إطعامه بل إبقاءه حياً بما يكفي لمواصلة جولات التحقيق القاسية. هذه الوسيلة من التعذيب جاءت كعقاب له بعد رفضه عروضاً بالتعاون مع مخابرات الاحتلال مقابل المال والإفراج، مؤكداً أن مبادئه وأخلاقه لم تسمح له بالخيانة مهما بلغ حجم الألم.
لم يكتفِ الاحتلال بالتعذيب الجسدي، بل لجأ إلى الحرب النفسية لكسر إرادة أبو نبهان، حيث أوهمه المحققون بمقتل والده وجميع أفراد عائلته خلال الحرب. هذه الأنباء الكاذبة أوصلته إلى حافة اليأس المطلق، وجعلته يشعر بأن الحياة خارج جدران السجن لم يعد لها معنى، وهو ما ترك ندوباً نفسية عميقة لا يزال يعالج منها حتى بعد تحرره.
وفي سياق متصل، يروي المحرر عادل صبيح قصة فقدانه لساقه بعد اعتقاله من مستشفى الشفاء بمدينة غزة في مارس 2024. صبيح الذي كان ينتظر جراحة لتثبيت كسر في فخذه، وجد نفسه مسحولاً على الأرض ومستخدماً كدرع بشري فوق المدرعات الإسرائيلية، قبل أن يُنقل إلى مراكز التحقيق في ظروف مهينة.
تعرض صبيح لضرب متعمد ومكرر على موضع إصابته، مما أدى إلى تفاقم حالته الصحية بشكل خطير وسط إهمال طبي متعمد. لاحقاً، نُقل إلى مستشفى 'سوروكا' حيث تعرض للحرق بالسجائر داخل سيارة الإسعاف، وأُجبر تحت التهديد والضرب على التوقيع على قرار ببتر ساقه، رغم أن إصابته الأصلية كانت قابلة للعلاج.
كشف صبيح عن خضوعه لنحو 26 عملية جراحية خلال 54 يوماً، وصفها بأنها كانت 'تجارب طبية' أجريت دون مراعاة لأدنى المعايير الإنسانية أو الصحية. هذه العمليات المتكررة لم تكن تهدف للعلاج بقدر ما كانت تزيد من معاناته الجسدية، في ظل غياب التخدير الكافي واستمرار التنكيل به حتى وهو على سرير المرض.
استخدمت سلطات الاحتلال والد عادل صبيح، الذي كان معتقلاً معه في نفس الفترة، كأداة للضغط والابتزاز النفسي. كان الجنود يهددون الأب ببتر أطراف ابنه أو إيذائه بشكل دائم لإجباره على تقديم معلومات، مما خلق حالة من الرعب المشترك بين الأب وابنه داخل أروقة المعتقلات القاسية.
كان موتاً بطيئاً، كنتُ روحاً بلا جسد، وتمنّيت الموت في كل لحظة داخل ذلك التابوت الضيق.
من جانب آخر، نقلت مصادر شهادة لأسير محرر رمز له باسم 'علي'، تعرض لانتهاكات جسيمة في معسكر 'سدي تيمان' سيئ السمعة. روى 'علي' كيف اقتحم عشرات الجنود قسمه واختاروه عشوائياً ليتعرض لضرب مبرح بالهراوات استهدف مناطق حساسة في جسده، مما تسبب له بإصابات بالغة وأورام منعت عنه القدرة على المشي أو النوم.
وصف 'علي' لحظات الرعب التي سبقت الاعتداء، حيث ألقى الجنود قنابل الصوت داخل الغرف المكتظة وسط صراخ هستيري وكلاب بوليسية تنهش أجساد المقيدين. الاستهداف المباشر للأعضاء التناسلية كان أسلوباً متبعاً لإذلال الأسرى وتحطيم كرامتهم، وهو ما أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة استمرت معه طويلاً دون علاج حقيقي.
داخل سجن النقب، تبرز صورة أخرى للإهمال الطبي المتعمد، حيث انتشرت الأمراض الجلدية والبثور البكتيرية 'الدمامل' بشكل واسع بين المعتقلين. وفي ظل حرمانهم من الأدوية والمنظفات، اضطر الأسرى لاستخدام وسائل بدائية ومؤلمة لعلاج أنفسهم، مثل كيّ الجروح بقطع حديدية ساخنة لتصريف القيح ومنع انتشار العدوى.
تؤكد هذه الشهادات أن ما يحدث داخل السجون ليس مجرد حوادث فردية، بل هو جزء من منظومة عقابية متكاملة تهدف إلى تجريد الفلسطيني من إنسانيته. تبدأ هذه المنظومة من لحظة الاعتقال العنيف، مروراً بالتحقيق تحت التعذيب، وصولاً إلى الإهمال الطبي الذي قد ينتهي ببتر الأعضاء أو الوفاة.
حتى بعد الإفراج عنهم، لا تزال آثار التعذيب تلاحق هؤلاء المحررين في حياتهم اليومية، حيث يعاني معظمهم من تشنجات عصبية وانهيارات نفسية حادة. رحلة العلاج التي بدأت في مشافي غزة بعد التحرر تكشف عن حجم الدمار الذي ألحقه الاحتلال بأجسادهم وأرواحهم، مما يتطلب رعاية طبية ونفسية طويلة الأمد.
أفادت مصادر حقوقية بأن هذه الممارسات تشكل جرائم حرب مكتملة الأركان، وتستوجب ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية. إن استخدام الأسرى كحقول تجارب طبية أو احتجازهم في صناديق خشبية ضيقة يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب.
تظل قصص عماد وعادل وعلي مجرد نماذج لآلاف الأسرى الذين ما زالوا يقبعون خلف القضبان، يواجهون الموت كل لحظة بعيداً عن أعين الكاميرات. إن صمود هؤلاء الأسرى رغم كل أدوات البطش يجسد إرادة فلسطينية ترفض الانكسار، حتى وهي تواجه أعتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي في العصر الحديث.