
عاد الجدل حول ما يعرف بـ«نظام الطيبات»، المرتبط باسم الطبيب المصري ضياء العوضي، إلى الواجهة في العالم العربي، بعد إعادة تداول قواعد النظام عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط انقسام بين مؤيدين يقولون إنهم استفادوا منه، وأطباء ومختصين يحذرون من اتباع توصيات غذائية غير مثبتة علميًا، خصوصًا لدى المصابين بأمراض مزمنة.
ويقوم النظام، وفق القوائم والشروحات المتداولة باسمه، على تناول الطعام عند الشعور بالجوع والتوقف عند الشبع، وعدم التركيز على حساب السعرات الحرارية، مع تفضيل أطعمة يصفها النظام بأنها سهلة الهضم، واستبعاد أو تقليل مجموعة من الأطعمة، بينها الدقيق الأبيض والدجاج والبيض والحليب وبعض الخضروات، مقابل السماح بالأرز والبطاطا واللحوم الحمراء وبعض أنواع الأجبان والدهون الحيوانية.
ومن الأفكار التي أثارت الجدل في هذا النظام تقليل تناول البروتين الحيواني، انطلاقًا من اعتقاد بأن ذلك يخفف العبء عن الجهاز الهضمي، وهي رؤية تختلف عن كثير من التوصيات الغذائية الحديثة التي تركز على الحصول على كميات مناسبة من البروتين ضمن نظام غذائي متوازن ومتنوع.
وتضاعف الجدل حول العوضي بعد إعلان نقابة أطباء مصر، في آذار/مارس 2026، شطبه وإسقاط عضويته، وفق ما أوردته تقارير إعلامية، على خلفية ما نُسب إليه من تقديم معلومات وآراء طبية غير مثبتة علميًا وطرح وسائل علاجية غير معتمدة. وعاد اسمه إلى التداول بصورة أكبر بعد وفاته في نيسان/أبريل، مع استمرار النقاش بشأن أفكاره الغذائية والعلاجية.
ولا تبدو بعض أفكار «الطيبات» جديدة بالكامل من الناحية التاريخية؛ ففي مطلع القرن العشرين دعا الأميركي هوراس فليتشر، في إطار ما عُرف بـ«Fletcherism»، إلى تناول الطعام استجابة للجوع وعدم التقيد الصارم بعدد محدد من الوجبات.
وفي الطب الحديث، توجد بعض التقاطعات الجزئية مع الحميات قليلة البقايا، وكذلك مع نظام Low-FODMAP المستخدم في بعض حالات متلازمة القولون العصبي. غير أن نظام Low-FODMAP لا يقوم على منع دائم لمجموعة واسعة من الأطعمة، بل يُستخدم عادة لفترة محدودة من التقييد، تليها إعادة إدخال الأطعمة وتحديد ما يناسب كل شخص، تحت إشراف مختصين.
وتوجد أيضًا أوجه تشابه في شكل بعض الوجبات مع أنظمة غذائية أخرى، من بينها نظام «فيرتكيل دايت» الذي طُوّر للرياضيين، ويعتمد بدرجة كبيرة على الأرز الأبيض واللحوم ومجموعة محدودة من الأطعمة التي يُنظر إليها على أنها سهلة الهضم. إلا أن هذا النظام يسمح بالبيض والدجاج ومنتجات الألبان، ولا يتطابق مع قواعد «الطيبات» في كمية البروتين أو نوعية الأطعمة المسموح بها.
راي بيت ومدرسة «الأيض»
يمتد الجدل إلى الأميركي راي بيت، الذي أصبح اسمه مرجعًا لدى تيارات غذائية تعرف باسم «Pro-metabolic»، أو المدرسة المؤيدة لتحسين الأيض. وكان بيت حاصلًا على درجة الدكتوراه في علم الأحياء، وركز في كتاباته على الفسيولوجيا وإنتاج الطاقة داخل الخلايا، متأثرًا بأفكار عدد من الباحثين في علم الأحياء والضغط الفسيولوجي ووظائف الغدة الدرقية.
وتوجد بعض نقاط التشابه بين أفكار بيت والعوضي، أبرزها انتقاد اختزال السمنة في مجرد حساب السعرات، ورفض التعامل مع السكر باعتباره ضارًا بصورة مطلقة، إضافة إلى الاهتمام بصحة الجهاز الهضمي والتخمّر واختيار أطعمة يرى أصحاب هذه المدارس أنها أسهل هضمًا.
لكن الاختلافات بينهما كبيرة أيضًا. فقد كان بيت يؤكد أهمية الحصول على كمية كافية من البروتين، واهتم بالحليب والجبن والجيلاتين والغلايسين، كما تبنى موقفًا شديد التحفظ تجاه الدهون المتعددة غير المشبعة، ولا سيما الزيوت الغنية بحمض اللينوليك.
وتأتي هذه الأفكار ضمن نقاش غذائي أوسع يمتد لعقود، إذ شهدت الستينيات وما بعدها صعود توصيات غذائية ركزت على تقليل الدهون المشبعة، ثم انتشرت بصورة واسعة ثقافة الأغذية قليلة الدسم. وفي المقابل، ظهرت مدارس غذائية انتقدت هذا الاتجاه، واختلفت معه في تفسير العلاقة بين الدهون والسكر والأمراض المزمنة.
كما ظهرت أنظمة أخرى تركز على مجموعات غذائية مختلفة، ومنها النظام القائم على المنتجات الحيوانية الذي ارتبط باسم بول سالادينو، والذي يتقاطع مع «الطيبات» في التركيز على اللحوم وبعض الفواكه والعسل، لكنه يختلف عنه في اعتماده على كميات أكبر من البروتين ومنتجات الألبان.
أين يقف العلم؟
يركز النقد العلمي لهذه المدارس الغذائية على مشكلة متكررة، تتمثل في الانتقال من وجود آلية بيولوجية حقيقية أو محتملة إلى إصدار حكم غذائي شامل.
فكون بعض الدهون المتعددة غير المشبعة أكثر قابلية للأكسدة من الناحية الكيميائية لا يعني تلقائيًا أنها «سموم» غذائية أو أن جميع مصادرها ضارة بالصحة. وبالمثل، فإن الفركتوز ليس مادة سامة مستقلة عن الجرعة والسياق الغذائي، لكن ذلك لا يعني أن زيادة تناول السكريات تمثل استراتيجية علاجية لتحسين الأيض.
أما التخمّر داخل القولون، فقد يؤدي إلى زيادة الغازات والانتفاخ والألم لدى بعض الأشخاص، خصوصًا المصابين ببعض اضطرابات الجهاز الهضمي، لكنه في الوقت نفسه جزء طبيعي من عمل ميكروبيوم الأمعاء وينتج مركبات قد تكون مفيدة لصحة القولون.
وتشير التوصيات الغذائية الحديثة عمومًا إلى أهمية التنوع والتوازن والاعتدال، بدل الاعتماد على قوائم صارمة تصنف الأطعمة بصورة مطلقة إلى «طيبات» و«خبائث». كما تركز التوصيات الصحية على تناول الألياف والخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبروتينات المناسبة، مع الحد من السكريات الحرة والأطعمة شديدة المعالجة.
وبذلك، فإن النقاش حول «الطيبات» ومدارس التغذية والأيض لا يتعلق فقط باختيار الأطعمة، بل يعكس خلافًا أوسع حول كيفية تفسير السمنة والأيض وصحة الجهاز الهضمي، ومدى إمكانية تحويل نتائج مخبرية أو آليات بيولوجية محددة إلى قواعد غذائية تصلح لجميع الناس.
والقاعدة الأهم التي يجمع عليها معظم المختصين هي أن النظام الغذائي المناسب ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الحالة الصحية والعمر والنشاط البدني والاحتياجات الغذائية لكل شخص، وأن أصحاب الأمراض المزمنة لا ينبغي لهم تغيير أنظمتهم الغذائية أو إيقاف علاجاتهم اعتمادًا على توصيات منتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي دون استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية.
أخبار فلسطينية
أخبار الاقتصاد
صحة+رجيم
الحركة الاسيرة
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |