تلفزيون نابلس
كوكا كولا
فيديوهات 60 ثانية تهزّ عقول الأطفال.. ماذا يفعل المحتوى القصير بأدمغة الجيل الجديد؟
12/29/2025 1:34:00 AM

 لم تعد مقاطع الفيديو القصيرة مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحوّلت إلى جزء أساسي من الحياة اليومية لملايين الأطفال والشباب حول العالم. ومع الانتشار الكاسح لمنصات مثل “تيك توك” و“إنستغرام” و“يوتيوب شورتس”، يتصاعد القلق العلمي حول تأثير هذا النوع من المحتوى على الدماغ والصحة النفسية، خصوصاً لدى الفئات العمرية الصغيرة.

ووفق تقرير نشره موقع ذا كونفيرسيشن الأميركي المتخصص، فإن تصميم مقاطع الفيديو القصيرة يقوم أساساً على التصفح السريع والمتواصل، بطريقة تجعل التوقف شبه مستحيل، في وقت لم تُصمم فيه هذه التطبيقات أصلاً مع وضع الأطفال في الاعتبار، رغم أنهم من أكثر مستخدميها نشاطاً، وغالباً دون إشراف مباشر.

جلسات بلا نهاية.. وتركيز يتآكل

يؤكد باحثون أن هذه المنصات قد تساعد بعض الأطفال على بناء اهتماماتهم أو الحفاظ على تواصلهم الاجتماعي، إلا أن الوجه الآخر أكثر قتامة. فالتدفق المتواصل للمحتوى السريع يؤثر سلباً على النوم، ويُضعف القدرة على ضبط النفس، ويقلّص المساحة الذهنية اللازمة للتفكير العميق والتفاعل الهادف.

وتتراوح مدة هذه المقاطع عادة بين 15 و90 ثانية، وهي مصممة بعناية لاستغلال ميل الدماغ إلى التجديد الفوري. فكل تمريرة تحمل وعداً بمكافأة جديدة: نكتة، مقلب، صدمة، أو مشهد مثير، ما يُحفّز نظام المكافأة في الدماغ بشكل متكرر وسريع.

أدلة علمية مقلقة

ويشير التقرير إلى أن غياب فترات التوقف الطبيعية بين المقاطع يحرم الدماغ من فرصة استعادة التركيز. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تراجع القدرة على الانتباه والتحكم في السلوك.

وفي هذا السياق، كشف تحليل علمي أُجري عام 2023 وشمل 71 دراسة ونحو 100 ألف مشارك، عن وجود ارتباط متوسط بين الاستخدام المكثف لمقاطع الفيديو القصيرة وقِصر مدة الانتباه وضعف ضبط النفس، خاصة لدى المراهقين.

نوم مضطرب وقلق متزايد

ولا تتوقف التأثيرات عند حدود التركيز فقط، إذ بات كثير من الأطفال يشاهدون الشاشات في أوقات يُفترض أن تكون مخصصة للاسترخاء. ويحذر العلماء من أن الضوء الساطع المنبعث من الهواتف يؤخر إفراز هرمون “الميلاتونين” المسؤول عن تنظيم النوم، ما يجعل الخلود إلى النوم أكثر صعوبة.

كما أن التقلبات العاطفية الحادة التي يفرضها المحتوى السريع تُبقي الدماغ في حالة استنفار دائم. وقد ربطت دراسات حديثة بين الإفراط في مشاهدة المقاطع القصيرة واضطرابات النوم وارتفاع مستويات القلق الاجتماعي لدى بعض المراهقين.

مقارنة قاسية وهوية هشّة

ويفاقم التدفق المستمر لصور الأقران وأنماط الحياة المثالية من ثقافة المقارنة، حيث قد يستوعب الأطفال، خصوصاً في سن ما قبل المراهقة، معايير غير واقعية للجمال أو النجاح أو القبول الاجتماعي، ما يرتبط بانخفاض تقدير الذات وزيادة القلق.

ويحذر تقرير “ذا كونفيرسيشن” من أن الأطفال الأصغر سناً، الذين لم تكتمل لديهم مهارات ضبط النفس ولم تتشكل هويتهم بعد، أكثر عرضة للتأثر العاطفي بهذا النوع من المحتوى مقارنة بالمراهقين.

محتوى صادم بلا تحذير

ومن أخطر الجوانب، بحسب الخبراء، أن طبيعة التشغيل التلقائي للمقاطع تزيد من احتمالية تعرض الأطفال لمحتوى عنيف أو تحديات خطرة أو مشاهد غير ملائمة، دون أي سياق أو تحذير مسبق.

وعلى عكس الفيديوهات الطويلة أو المنشورات التقليدية، لا يمنح المحتوى القصير فرصة للاستعداد النفسي، إذ قد تتحول النبرة في ثوانٍ من مشهد ساخر إلى محتوى صادم، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على الأدمغة النامية.


تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن مقاطع الفيديو القصيرة ليست بريئة كما تبدو، وأن تأثيرها على عقول الأطفال والشباب يستدعي انتباهاً حقيقياً من الأهل وصنّاع القرار، قبل أن تتحول “الثواني الممتعة” إلى آثار طويلة الأمد على الصحة النفسية والذهنية لجيل كامل.

 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة