
في عالم تمتلئ فيه منصات التواصل الاجتماعي بالتنمر والسخرية والتعليقات الجارحة، ظهرت مبادرة رقمية تستخدم الأسلوب ذاته، لكن في الاتجاه المعاكس: حشد آلاف الحسابات لإغراق ضحايا التنمر بالتعليقات الإيجابية والدعم.
وتقود المبادرة، المعروفة باسم «جيش التعاطف»، حسابات على منصة تيك توك يديرها المسوّق الرقمي الأميركي تايلر بريكلي، الذي أطلقها عام 2023 بهدف مساندة أشخاص يتعرضون للسخرية أو التجاهل عبر الإنترنت.
ويقول بريكلي إن المبادرة تستخدم بعض الآليات التي يعتمد عليها المتنمرون، مثل التنسيق والعمل الجماعي وعدم الكشف عن هوية المشاركين، لكنها توجّهها نحو تقديم الدعم بدلًا من الإساءة.
كانت لورا تايغيليرو، من جزيرة ستاتن في نيويورك، واحدة من الأشخاص الذين استفادوا من المبادرة. فتايغيليرو، التي تعاني مرض التصلب المتعدد الذي يؤثر في حركة عينيها، كانت تتعرض لتعليقات ساخرة على مظهرها عبر تيك توك.
لكن أحد مقاطعها تحول فجأة إلى مساحة مليئة بالتعليقات الإيجابية، بعد أن وجه بريكلي «جيش التعاطف» نحو حسابها.
وتقول تايغيليرو إنها شعرت بالذهول عندما وجدت أكثر من 15 شخصًا يقدمون لها الدعم في وقت واحد، قبل أن تعرف أن وراء ذلك حملة منظمة من المتعاطفين.
ولم يتوقف الأثر عند التعليقات، إذ ساعدت زيادة التفاعل في جذب متابعين جدد إلى حسابها، كما بدأت تيك توك بدفع أموال لها، ما ساعدها على الاقتراب من شراء سيارة كانت أسرتها بحاجة إليها.
بدأ بريكلي المبادرة بعد أن لاحظ في عام 2023 انتشار موجات من التعليقات السلبية على حسابات أشخاص لا يعرفهم أصحاب تلك التعليقات في كثير من الأحيان.
وبدأت الفكرة بعدد محدود من الحسابات، قبل أن تتوسع لاحقًا إلى مئات الحسابات، ثم إلى جيش يضم، وفق بريكلي، نحو نصف مليون حساب إلكتروني.
ويجري ترشيح أشخاص يحتاجون إلى الدعم عبر نموذج إلكتروني، ويختار بريكلي وفريقه حالة واحدة يوميًا لتوجيه حملة من التعليقات الإيجابية إليها.
وقد تصل بعض الحملات إلى عشرات الآلاف من التعليقات وملايين المشاهدات، فيما انضمت شخصيات معروفة، من بينها الممثلة والمغنية الأميركية باريس هيلتون، إلى المبادرة.
يربط عالم الاجتماع في جامعة ييل نيكولاس كريستاكيس هذه الظاهرة بما يُعرف بـ**«العدوى الاجتماعية»**، أي إمكانية انتقال السلوك بين الأشخاص كما تنتقل العدوى.
ويرى كريستاكيس أن منصات التواصل لا تعكس الجانب السلبي من الطبيعة البشرية فقط، بل يمكن أن تُظهر أيضًا التعاطف والصداقة والتعاون.
وبحسب هذا التصور، فإن تعليقًا إيجابيًا قد يشجع آخرين على التفاعل بالطريقة نفسها، لتتشكل سلسلة من السلوكيات الداعمة حتى بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا.
وتقول الفكرة التي يستند إليها كريستاكيس إن الطريقة التي يعامل بها شخصٌ آخرين قد تؤثر في الطريقة التي يعامل بها هؤلاء أشخاصًا ثالثين، حتى من دون وجود علاقة مباشرة بينهم.
رغم توسع المبادرة، فإن بريكلي يقول إن إدارتها أصبحت عبئًا نفسيًا متزايدًا عليه.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، ارتفع عدد الحسابات المرتبطة بالمبادرة، بحسب روايته، من نحو 30 ألفًا إلى 200 ألف حساب، قبل أن يصل لاحقًا إلى نحو نصف مليون.
ويتلقى بريكلي يوميًا ما بين 20 و100 ترشيح لأشخاص يحتاجون إلى الدعم، لكنه يختار حالة واحدة فقط، وهو ما يضعه أمام عدد كبير من الأشخاص الذين لا يستطيع مساعدتهم.
كما يقول إن المشروع لا يحقق له دخلاً يُذكر، مشيرًا إلى أنه حصل في أغسطس/آب على 39 دولارًا فقط من تيك توك، وأن استمراره في المبادرة يرتبط بدافع شخصي وليس بعائد مالي.
وتحذر الباحثة أليس مارويك، من معهد بحوث البيانات والمجتمع في نيويورك، من أن مثل هذه المبادرات قد تواجه صعوبة في الاستمرار على المدى الطويل، مشيرة إلى أن الدافع لدى القائمين عليها قد يتراجع بعد عام أو عامين.
وترى مارويك أن منصات التواصل تتحمل جزءًا من مسؤولية السلوكيات السلبية، لكنها تقول إن الحل يحتاج أيضًا إلى تغيير أوسع في المعايير الاجتماعية المتعلقة بكيفية تعامل الناس مع بعضهم بعضًا عبر الإنترنت.
المفارقة أن بريكلي نفسه أصبح لاحقًا هدفًا لحملة دعم من «جيش التعاطف».
فبعد خضوعه لعملية جراحية في الظهر، فوجئ بزوجته تطلب منه تفقد هاتفه، ليجد نحو ألف تعليق إيجابي من المتابعين والمتطوعين.
ويقول بريكلي إنه قرأ التعليقات واحدة تلو الأخرى، وانهمر بالبكاء بعدما أدرك أن المبادرة التي بدأها لمساعدة الآخرين أصبحت قادرة على دعمه هو أيضًا.
وبالنسبة إليه، فإن «جيش التعاطف» ليس سوى بداية لفكرة أوسع: استخدام أدوات التواصل الجماعي نفسها التي يمكن أن تنتشر بها الإساءة، لنشر التعاطف والدعم بدلًا منها.
أخبار محلية
أخبار دولية
مقالات وتقارير
أخبار الاقتصاد
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |