
مع اقتراب شهر رمضان، تتبدّل ملامح المدن العربية؛ تتلألأ الشوارع بأضواء ملوّنة، وتمتلئ الأسواق بأشكال لا حصر لها من الفوانيس، بينما يتسابق الأطفال لاختيار فانوسهم الخاص إيذاناً ببدء موسم طال انتظاره. هكذا تحوّل فانوس رمضان من وسيلة إضاءة بسيطة إلى رمز شعبي متجذر في الوجدان، خصوصاً في مصر، حيث صار جزءاً من طقوس استقبال الشهر الكريم.
تشير موسوعة دائرة المعارف البريطانية إلى أن الفوانيس الاحتفالية تضيء الشوارع والمنازل ليلاً خلال رمضان في مشهد يعكس أجواء البهجة والترقب. غير أن هذا الرمز لم يولد احتفالياً، بل بدأ كحاجة عملية للإضاءة في زمن لم تعرف فيه المدن الكهرباء.
في العصور الإسلامية الأولى، كان الفانوس أداة لحماية اللهب من الرياح أثناء التنقل ليلاً. ومع تطور الفنون الإسلامية، اكتسب أشكالاً زخرفية مستوحاة من العمارة والزخرفة الشرقية، فتحوّل تدريجياً إلى قطعة فنية تعكس الذائقة الجمالية للمجتمع.
لغوياً، يُرجح أن كلمة "فانوس" ذات أصل يوناني، حيث كانت تعني المصباح أو المشعل، وانتقلت إلى العربية عبر القبطية أو من خلال التفاعل مع الحضارة البيزنطية. واستقر المصطلح في العربية ليشير إلى المصباح المحاط بإطار يحمي ضوءه، قبل أن يكتسب دلالة رمزية خاصة مرتبطة برمضان.
تجمع روايات تاريخية وشعبية عدة على أن تقليد فانوس رمضان ازدهر في عهد الدولة الفاطمية بمصر. ففي عام 969 ميلادياً، دخل القائد جوهر الصقلي مصر بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وأسس مدينة القاهرة لتكون عاصمة جديدة للدولة، وشهدت المدينة لاحقاً طقوساً احتفالية واسعة بالمواسم الدينية.
وتذكر بعض الروايات أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أصدر قراراً يقضي بخروج النساء ليلاً في رمضان فقط، على أن يسبقهن غلام يحمل فانوساً لإضاءة الطريق. وبمرور الوقت، صار الفانوس جزءاً من الاحتفال الشعبي بالشهر الكريم، لا مجرد وسيلة إنارة.
لم يعد الفانوس مجرد قطعة معدنية مضيئة، بل تحول إلى رمز للطفولة والاحتفاء الجماعي. يطوف الأطفال به في الأزقة مرددين الأناشيد، وتحرص الأسر على شرائه سنوياً بوصفه إعلاناً غير مكتوب عن بدء الاستعداد الروحي والاجتماعي لرمضان.
وفي مدن عربية عدة، من القاهرة إلى الموصل وغزة والرباط، تتنوع أشكال الفوانيس بين التقليدي المصنوع من الصاج والزجاج الملوّن، والحديث الذي يعمل بالكهرباء ويصدح بالأغاني الرمضانية، في مشهد يجمع بين التراث والتكنولوجيا.
رغم تغير الأزمنة وتبدل وسائل الإضاءة، ظل الفانوس حاضراً بوصفه رمزاً ثقافياً يتجاوز وظيفته الأصلية. إنه شاهد على تفاعل الدين بالعادات، وعلى قدرة المجتمعات على تحويل الأدوات اليومية إلى علامات هوية.
وهكذا، من مشعل صغير يضيء طرقات القاهرة في القرن العاشر الميلادي، إلى أيقونة رمضانية تتلألأ في كل بيت، يروي فانوس رمضان قصة تراث صمد أمام القرون، وبقي عنواناً للفرح الجماعي في ليالي الشهر الفضيل.
أخبار فلسطينية
رمضانيات
أخبار عربية
أخبار الاقتصاد
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |