تلفزيون نابلس
كوكا كولا
رمضان تحت ضغط الدخل.. كيف يحمي الرجل كرامته بين واجب الكرم وحدود الميزانية؟
2/15/2026 8:55:00 PM

 مع اقتراب شهر رمضان، يفترض أن تتسع المساحة للسكينة والطمأنينة، غير أن الواقع عند كثير من الرجال، خصوصاً المعيلين، يسير في اتجاه مختلف. فالشهر الذي يرتبط روحياً بالزهد وضبط النفس، يتحول عملياً إلى موسم إنفاق مرتفع، وضغط نفسي صامت يتصاعد مع كل قائمة مشتريات جديدة.

تضخم الأسعار، وتوقعات الأسرة، وصور الموائد العامرة على الشاشات ومنصات التواصل، جميعها تصنع شعوراً داخلياً بالسباق الدائم: دخل ثابت في مواجهة موسم استهلاك يتضخم عاماً بعد عام.

الأرقام تشرح القلق… لكن لا تختصره

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنفق نسبة مرتفعة من دخلها على الغذاء مقارنة بمناطق أخرى، ما يجعل أي ارتفاع موسمي في الأسعار عبئاً مباشراً على ميزانياتها.

كما تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن تقلبات أسعار الغذاء عالمياً تنعكس بسرعة على الأسواق المحلية في الدول المستورِدة، حيث يكون الطلب على السلع الأساسية مرتفعاً وهامش المناورة المالي محدوداً.

لكن المسألة لا تتوقف عند الحسابات. تقرير “الصحة النفسية في عالم غير متكافئ” الصادر عن منظمة الصحة العالمية يربط بين الضغوط المالية وارتفاع مستويات القلق والتوتر والشعور بعدم الأمان. كما تظهر أبحاث مدعومة من الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن المال أحد أبرز مصادر التوتر داخل الأسرة، وأن الأزمات المالية تنعكس سلباً على العلاقات الزوجية وتربية الأبناء.

بالنسبة لكثير من الرجال، لا يتعلق الأمر بالطعام وحده، بل بصورة الذات والدور:
هل قمت بما يكفي؟ هل وفرت لأهلي ما ينتظرونه؟

بين الكرم والقدرة… صورة الرجل في الثقافة

في الثقافة العربية، يرتبط رمضان بالكرم والضيافة، وغالباً ما تختزل هذه القيمة في عدد الأصناف على المائدة. عبارات مثل:
“لا نريد أن نكون أقل من غيرنا”،
“الأولاد ينتظرون أطباقاً معينة”،
قد تبدو عابرة، لكنها تضغط على المعيل ليتجاوز قدرته، وأحياناً للاقتراض، فقط كي لا يشعر بالتقصير.

في المقابل، تؤكد أدبيات التثقيف المالي الأسري التي تطرحها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن حماية الاستقرار المالي للأسرة شكل من أشكال الرعاية، لا الحرمان. فالمسؤولية ليست في مائدة عامرة ليلة، يعقبها قلق ديون لأشهر.

الرجل المتزن ليس من يوسّع على أهله يوماً ثم يدفع الثمن طويلاً، بل من يوازن بين الكرم والقدرة.

رمضان… شهر صيام أم موسم هدر؟

رغم أن رمضان شهر ضبط النفس، تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الهدر الغذائي خلال مواسم مثل رمضان في عدد من الدول العربية.

يفسر الاقتصاد السلوكي جانباً من هذا السلوك. فوفقاً لأعمال الاقتصادي الحائز على نوبل ريتشارد ثالر، قراراتنا المالية لا تحكمها الحسابات الباردة وحدها، بل تتأثر بما نراه “عادياً” اجتماعياً. ومع نظرية المقارنة الاجتماعية لعالم النفس ليون فستنغر، يتضح كيف يقيس الإنسان نفسه بالآخرين، فتمتلئ موائد الجيران وترتفع تلقائياً سقوف التوقعات داخل البيت.

وهكذا يتكوّن “ضغط صامت” لا يحتاج إلى طلب مباشر.

ميزانية رمضان… من فوضى إلى خطة

بدلاً من التعامل مع رمضان كاستثناء عاطفي، يمكن تحويله إلى مشروع مالي واضح قبل دخوله بأيام:

1. تثبيت الأساسيات أولاً

الإيجار أو القسط، الفواتير الأساسية، الأقساط والديون القائمة… هذه بنود تمثل أمن الأسرة واستقرارها، ولا ينبغي التضحية بها من أجل إنفاق موسمي.

2. تقسيم الإنفاق إلى ثلاث دوائر

  • ضرورات: الغذاء الأساسي، الأدوية، الاحتياجات الثابتة.

  • تحسينات معقولة: بعض الحلويات، عزومات محدودة بسقف معلوم.

  • كماليات: أصناف فاخرة وتكرار غير ضروري.

وضوح هذه الدوائر يمنح الرجل أساساً منطقياً لتأجيل أو رفض الكماليات دون شعور بالذنب.

3. ميزانية أسبوعية لا شهرية

تقسيم مخصص الطعام إلى أربعة أسابيع يقلل الاندفاع في الأيام الأولى، حين يكون الحماس أعلى والعروض أكثر إغراءً.

4. قائمة مسبقة بلا إضافات عاطفية

قاعدة بسيطة:
“لا يدخل العربة ما لم يكن مكتوباً.”
العروض تُستفاد منها إذا كانت على سلع مقررة مسبقاً، لا إذا فرضت علينا مشتريات جديدة.

المصارحة… تخفف العبء

أصعب ما يمر به المعيل أحياناً هو الاعتراف بضيق يده خوفاً على صورته أمام أسرته. غير أن دراسات نفسية تشير إليها الجمعية الأمريكية لعلم النفس تؤكد أن التواصل الواضح يقلل النزاع ويخفف شعور الفرد بأنه يحمل العبء وحده.

خطوات عملية:

  • اختيار وقت هادئ قبل رمضان.

  • ربط الحديث بهدف مشترك: “نريد شهراً بلا ديون بعد العيد”.

  • إشراك الزوجة في تحديد ما يمكن الاستغناء عنه.

  • توعية الأبناء الكبار بقيمة تقليل الهدر.

عندما تصبح الميزانية قراراً عائلياً، يتحول الضغط من عبء فردي إلى مسؤولية مشتركة.

من موسم ضغط إلى نقطة تحول

يمكن أن يكون رمضان فرصة لإعادة ضبط العلاقة بالمال:

  • تسجيل المصروفات ومراجعتها بعد الشهر.

  • تقليص بند أو بندين في العام التالي.

  • تحويل جزء من الكماليات إلى ادخار أو تسديد دين.

بهذا لا يبقى الرجل أسيراً لضغط السوق والتقاليد، بل يصبح صاحب قرار يعيد تعريف الكرم بما يحفظ بيته وكرامته وأعصابه.

في النهاية، رمضان لا يحتاج إلى استعراض، بل إلى رجل هادئ ومتزن يعرف أن يقول بثقة:
هذا في وسعي… وذاك ليس في وسعي.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة