
حراك شعبي سلمي بالتزامن والحوار الوطني المُرتقب
بقلم: احمد صيام
بضرف النظر عن الاجحاف الذي لحق بالمواطن الفلسطيني ، حين صُودرت احد اهم حقوقه الاساسية ، بانتخاب من يُمثله وينقل همومه ويُتابع شؤونه ويُحسن من اوضاعه ويُعيد ترتيب اولوياته ، بما يكفل له حياة كريمة ، ويرفع سوط المراسيم عنه والتي تأخذ مكانة القوانين ، وبعيدة عن واقعه وما يُعايشه ، الا ان السبب الرئيس الذي كان يقف وراء تاجيل الانتخابات التشريعة ، غير المُعوقات الاسرائيلية بمنع لجنة الانتخابات من مُمارسة عملها في قطاع غزة والقدس ، هو إتاحة الفرصة للفصائل الفلسطينية - التي لم تتفق من قبل على اي مما يخص معاناة الشعب الفلسطيني كما الاتفاق على تاجيل الانتخابات – للجلوس على مائدة حوار وطني شامل برعاية مصرية ، كما يبدو تختلف مُعطياتها عن سابقاتها من جلسات حوار خلال العقدين الماضيين ، كانت جميعها قد باءت بالفشل !!
لا ضير من ذلك، ولكن هناك عدة ملاحظات، يتوجب ذكرها:
اولا: الانتخابات التشريعية كانت قد تأجلت مرتين من قبل الثالثة هذه، الاولى كانت عام 2010 والاخرى عام 2021 ، والاحتلال كان دوما الشماعة التي تعلق عليها القيادة ذرائعها للتأجيل .
ثانيا: ضبابية المشهد الفلسطيني، وحالة فقدان الثقة بين القيادة والشعب ، والفساد والمحسوبيات التي تدور في فلكها السلطة الفلسطينية ، ولد حالة من اللامبالاة لدى عامة الناس ، وتشكيك بجدية القيادة ومن لف لفيفها ، في اجراء الانتخابات .
ثالثا : على مدار اكثر من عقدين من الزمن ، وبالرغم من احداث مريرة عصفت بالساحة الفلسطينية وما زالت وكانت تستحق الحوار والاتفاق ، وبالرغم مما حدث وما زال يحدث ، حتى اصبحت غزة مكلومة ، والضفة موجوعة ، والقدس وحيدة حزينة ، عدوان بربري طال جميع اشكال الحياة في قطاع غزة ، الضفة الغربية مُقطعة الاوصال ، واعتداءات مُمنهجة يُنفذها مستوطنون متطرفون مسلحون وبحماية قوات الاحتلال ، بحق عُزل طالت الحجر والبشر ، والانعام لم تسلم ايضا ، وخطر الضم وابتلاع الارض والتهجير يتهددها ، القدس ودرتها المسجد الاقصى في مرمى التهويد والتهجير ، الاسيرات والاسرى يبيتون في معتقلاتهم جوعى ، ويُنكل بهم بشتى اصناف القهر والعذاب ، ولم تتفق الفصائل بحواراتها وجدالاتها واشتباكاتها ، على اي من هذه المواضيع رغم سخونتها ، كما اتفقت ، وتكاد تكون لاول مرة في تاريخها على موضوع واحد ، وهو تاجيل الانتخابات !!
رابعا : طالما كانت الانتخابات مصدرا للتوتر بين الفصائل ، وتاجيلها كان يُسبب انقسامات في صفوف الشارع ، بين الحماس والفتور ، بين مُؤيد ومُعارض .
خامسا : التأجيل للانتخابات هذه المرة ، تحاول الفصائل مُجتمعة ، تسويقه على انه مصلحة وطنية ، فيما حقيقة الامر انه كان تجنبا لاختبار شعبي صعب ، ومخرجاً من مازق قد يكشف حجم شعبية كل فصيل الحقيقية أو يضع أداءها تحت المراقبة ، واعتبرته فرصة لإجراء حوار وطني شامل لإصلاح منظمة التحرير ، وإنهاء الانقسام الداخلي قبل الاحتكام لصناديق الاقتراع ، فيما واقع الحال يقول ان جميع الفصائل مأزومة وتبحث عن مخرج يُنقذها من أزمتها تهربا من المساءلة والمحاسبة .
سادسا : المُنتقدون والمُعارضون للقيادة وأداءها ، ادانوا واستنكروا وشجبوا وكتبوا وصرخوا ضد التأجيل ، مُعتبرين ان القيادة والفصائل هم فقط المُستفيد من الاجراءات المُتبعة على حساب الشعب الذي حُرم من ابسط حقوقه المدنية ، اضافة الى انهم يرون أن التوافق الذي جرى بتأجيل الانتخابات ، يُثبت تهرب القيادات من استحقاق التجديد السياسي والمساءلة خوفا من خسارة المكاسب والنفوذ القائم ، ما يؤدي إلى تعميق أزمة الشرعية السياسية في النظام .
في ضوء ما سبق، هل الفصائل جادة حقا في حوار وطني شامل يخرج بنتائج، من شانها مُعالجة الحالة الفلسطينية الراهنة، واستراتيجية واحدة موحدة تتصدى للإجراءات الاحتلالية؟ ام ان نتائج الحوار ستكون المُحاصصة فيما بينها وتقاسم الكعكة حتى لا يكون هناك خاسرا او فائزا بعيدا عن المزاج الشعبي الراغب بالتغيير؟!
وفق التجارب الماضية ، نجاح الحوار الوطني ليس مضمونا ، ولكن ان كانت الفصائل هذه المرة جادة حقا ، فان نجاح التوافق بينها يتوقف على مجموعة من العوامل والمُستلزمات السياسية والميدانية التي تضمن تحويل التوافقات إلى واقع مُستدام ، واولا واخيرا تغليب المصلحة الوطنية العليا ووضع القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب فوق الاعتبارات والحسابات الحزبية والفئوية الضيقة ، وانهاء الانقسام بين شطري الوطن واعتماد مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية ، وإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيته عبر صندوق الاقتراع والمسار الديمقراطي ، والابتعاد عن الاجندات والضغوطات الاقليمية والخارجية التي من شأنها ان تُعطل مُخرجات الحوار، واشراك مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات ومُمثلين عن النساء والشباب ، القادرين عن التعبير عن الاولويات المُجتمعية ، ومن ثم الانتقال من إدارة الأزمة وترحيل الخلافات إلى وضع جداول زمنية وآليات واضحة ومُلزمة لترجمة ما يتم الاتفاق عليه على أرض الواقع .
ووسط اجواء انعدام ثقة الشارع والقواعد بالقيادة والسلطة والفصائل، يجب ان تتزامن جلسات الحوار الوطني بموجة كبيرة من الحراك الشعبي السلمي، يُشارك فيه عامة الناس وكوادر الفصائل الحريصين على المصلحة الوطنية العليا دون استثناء ، وعدم الاكتفاء بالبيانات والتصريحات ، ولو ادى الامر للنزول الى الميادين والاعتصام بالخيام طيلة ايام الحوار .
لماذا الحراك الشعبي؟ لانه صمام امان لمنع تحول الحوار الى لقاءات صورية لإدارة الأزمة بدلاً من حلها ، ويُلزم المُتحاورين بخطوات عملية وملموسة وجدول زمني مُحدد ، للانتقال من مربع التوافقات النظرية إلى الإجراءات الحقيقية على الأرض ، والتركيز على أن تأجيل الانتخابات يجب أن يكون فرصة لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات ديمقراطية شاملة ( تشريعية ، ورئاسية ، والمجلس الوطني ) وتجديد الشرعيات ، ورفض تحويل التأجيل إلى حالة دائمة ، واخيرا وليس اخرا ، الحراك الشعبي عامل ضاغط لإنهاء مظاهر التفرد بالقرار ، وانهاء الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس تحت مظلة نظام سياسي مُوحد يتبع منظمة التحرير الفلسطينية بعد الاتفاق على اعادة هيكلتها وتفعيلها بما يضمن مشاركة الكل الفلسطيني في أُطرها ، وباعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني بكل مُكوناته .
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |