الحوار الوطني الفلسطيني: أمام تحدي الانتقال من السلطة إلى الدولة
9/29/2026 8:18:00 PM

 الحوار الوطني الفلسطيني: أمام تحدي الانتقال من السلطة إلى الدولة

كتب وليد العوض

من المرجح أن تستضيف القاهرة خلال الفترة المقبلة حوارًا وطنيًا فلسطينيًا بمشاركة مختلف الفصائل والقوى السياسية، في لحظة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تداعيات حرب الابادة  في قطاع غزة، واستمرار العدوان والاستيطان والضم في الضفة الغربية، ومحاولات تهويد القدس وفصل غزة عن بقية الأرض الفلسطينية، إلى جانب مخاطر التهجير، وأزمة سياسية داخلية طال أمدها، عمّقت الانقسام وأضعفت الثقة بالنظام السياسي ومؤسساته.

ومن المرجح أن تكون الانتخابات الفلسطينية الى جانب قضايا اخرى في صلب الحوار، خصوصًا في ظل العقبات الإسرائيلية التي تجعل إجراءها في موعدها أمرًا بالغ الصعوبة. وإذا انتهى الحوار إلى تأجيل الانتخابات، فمن الضروري ألا يُنظر إلى التأجيل باعتباره إجراءً تقنيًا مؤقتًا، بل فرصة لإعادة النظر في المسار السياسي الفلسطيني الذي ما زال أسير قيود مرحلة انتقالية طال أمدها.

فالسؤال لم يعد فقط: متى تُجرى الانتخابات؟ بل: هل نعود إلى انتخابات تعيد إنتاج النظام السياسي القائم على منطق المرحلة الانتقالية، أم نفتح مسارًا لإعادة بناء هذا النظام والانتقال من السلطة إلى الدولة الفلسطينية، التي باتت تحظى باعتراف دولي واسع؟

لقد أثبتت التجربة أن الانتخابات، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة أزمة النظام السياسي، كما أن جولات الحوار السابقة لم تنجح في إنهاء الانقسام، بسبب الخلافات السياسية وغياب الآليات الملزمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

لذلك، فإن المطلوب من الحوار المرتقب ألا يكون جولة جديدة لإدارة الحالة القائمة داخل المربعات ذاتها، بل أن يفتح أفقًا سياسيًا جديدًا. ومن هنا تبرز مجددًا  أهمية فكرة المجلس التأسيسي للدولة الفلسطينية باعتبارها مسارًا يستحق أن يحتل موقعًا مركزيًا على طاولة الحوار.

فالمجلس التأسيسي لا يعني إلغاء الانتخابات أو الالتفاف على الإرادة الشعبية، بل يمكن أن يشكل إطارًا تأسيسيًا انتقاليًا لفترة محددة ومتفق عليها، يعيد ترتيب النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الدولة ووحدتها السياسية والجغرافية، ويمهد للانتقال من واقع المرحلة الانتقالية إلى أفق الدولة الفلسطينية.

لقد أُنشئت مؤسسات السلطة الفلسطينية في سياق مرحلة انتقالية كان يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة. غير أن هذه المرحلة امتدت لعقود، بينما استمر الاحتلال والاستيطان والضم والانقسام، وتراجعت القدرة على تطوير نظام سياسي فلسطيني موحد ينسجم مع التوجه الجاد نحو الدولة، خاصة مع التحسن الملحوظ في البيئة السياسية والقانونية الدولية، واتساع الاعتراف بدولة فلسطين، التي حصلت عام 2012 على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.

وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى ملاءمة استمرار النظام السياسي الفلسطيني بمنطق مرحلة انتقالية لم تعد تعكس واقع القضية الفلسطينية ومكانتها الدولية.

يمكن للمجلس التأسيسي، إذا جرى الاتفاق عليه وطنيًا، أن يكون إطارًا انتقاليًا توافقيًا يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية، ويتولى مهام أساسية، في مقدمتها توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، وتثبيت وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن إطار سياسي وقانوني واحد، ووضع الأسس الدستورية والقانونية للدولة الفلسطينية، وصولًا إلى انتخابات عامة حرة وشاملة.

على أن يكون هذا المجلس التأسيسي متكاملًا مع المجلس الوطني الفلسطيني، بل وجزءًا من الإطار الوطني الفلسطيني الجامع، بما يحفظ مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ويعزز دورها كإطار وطني جامع لمكونات الشعب الفلسطيني كافة.

وبهذا المعنى، لا يكون المجلس التأسيسي بديلًا عن الانتخابات، بل إطارًا لإعادة بناء البيئة السياسية والمؤسسية التي تُجرى فيها الانتخابات وتكتسب من خلالها شرعيتها. فإذا تعذر إجراء الانتخابات في موعدها بسبب ظروف قاهرة، يمكن أن يتحول التأجيل من مجرد تمديد للأزمة إلى مرحلة تأسيسية يجري خلالها توفير الشروط اللازمة لانتخابات أكثر شمولًا وقدرة على إنتاج نظام سياسي مستقر.

وهنا ينبغي أن ينتقل الحوار الوطني من السؤال الضيق: «متى تُجرى الانتخابات؟» إلى السؤال الأوسع: «كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني؟»

ولا يمكن تحقيق ذلك دون مراجعة وطنية شجاعة للواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني و الى ما آلت له مكانة القضية الفلسطينية من تراجع  ، كما يجب أن تترافق إعادة بناء النظام السياسي مع استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة مخططات الضم والتهجير، وحماية وحدة الأرض الفلسطينية، ورفض أي ترتيبات تفصل غزة عن الضفة والقدس، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، واستثمار الحضور الدولي لدولة فلسطين سياسيًا وقانونيًا.

وعليه، فإن الحوار المقبل أمام فرصة تتجاوز مجرد معالجة موعد الانتخابات. فإذا فرضت الظروف القاهرة تأجيلها، فلا ينبغي أن يتحول التأجيل إلى محطة جديدة لترحيل الأزمة والعودة بعد شهور اعادة انتاجها، بل إلى بداية لمسار تأسيسي يعيد بناء النظام الفلسطيني على قاعدة الوحدة والشراكة وتجديد الشرعية.

وهذا يتطلب وضع فكرة المجلس التأسيسي على الطاولة بجدية، ومناقشة تشكيله وصلاحياته ومدة عمله وآليات اتخاذ القرار داخله، وعلاقته بمنظمة التحرير ومؤسسات الدولة، والضمانات التي تكفل انتقاله في النهاية إلى انتخابات عامة حرة وشاملة.

إن فلسطين لا تحتاج إلى اتفاق جديد يرحّل أزمتها إلى المستقبل بعنوان مختلف، وإنما إلى مسار تأسيسي يعيد بناء نظامها السياسي، ويستعيد وحدتها، ويجدد شرعيتها، ويمهد الطريق أمام دولة فلسطينية موحدة وديمقراطية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج به الحوار من القاهرة ليس فقط: متى تُجرى الانتخابات؟

بل السؤال الأهم:

كيف ننتقل من مرحلة سياسية استنفدت نفسها إلى مرحلة الدولة؟

وقد يكون المجلس التأسيسي للدولة الفلسطينية هو الجسر الذي يستحق أن يوضع أمام الحوار الوطني بكل جدية ومسؤولية.  

 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة