الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال.. القدس وغزة والضفة أمام اختبار الشرعية الدولية
8/29/2026 1:33:00 AM
الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال.. القدس وغزة والضفة أمام اختبار الشرعية الدولية
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
لم تعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مجرد استحقاق ديمقراطي داخلي، وإنما أصبحت اختباراً سياسياً وقانونياً لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، هو حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واختيار ممثليه بحرية، على كامل أرضه المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية.
فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بموعد الانتخابات أو بعدد المقاعد أو القوائم الانتخابية، بل بالبيئة التي ستجري فيها: هل ستكون هناك حرية كاملة للناخب والمرشح؟ وهل تستطيع لجنة الانتخابات المركزية الوصول إلى جميع المناطق؟ وهل ستتوقف الاعتقالات والاقتحامات والاغتيالات والقيود على الحركة؟ ومن يضمن أمن مراكز الاقتراع؟ ومن يضمن عدم تدخل القوة القائمة بالاحتلال في نتائج العملية الانتخابية أو منعها في مناطق معينة؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في ضوء إعلان لجنة الانتخابات أن العملية الانتخابية تشمل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته العسكرية على أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية.
القدس ليست تفصيلاً انتخابياً
تحتل القدس موقعاً استثنائياً في أي انتخابات فلسطينية؛ فهي ليست مجرد دائرة انتخابية إضافية، وإنما جزء أصيل من الإقليم الفلسطيني المحتل، كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، الذي تناول صراحة الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
ومن ثم فإن إجراء الانتخابات من دون ضمان مشاركة المقدسيين مشاركة حقيقية وحرة سيطرح إشكالية تمس شمولية التمثيل الفلسطيني نفسه.
وتملك التجربة السابقة دلالات واضحة؛ إذ وثقت لجنة الانتخابات المركزية تعرض العملية الانتخابية في القدس لعراقيل إسرائيلية، بما في ذلك إغلاق مراكز تسجيل ومنع استخدامها لأغراض انتخابية. كما أن اللجنة تضع ضمن ملفاتها الرسمية عنواناً مستقلاً هو «الانتخابات في ظل الاحتلال» والعراقيل الإسرائيلية والترتيبات الانتخابية في القدس.
لذلك فإن المطلوب هذه المرة ليس ترتيبات شكلية أو تفاهمات مؤقتة، بل ضمان دولي واضح بأن تكون القدس جزءاً كاملاً من العملية الانتخابية الفلسطينية، وأن يتمكن المقدسيون من ممارسة حقهم الانتخابي دون تدخل أو تضييق أو إغلاق أو ملاحقة.
غزة.. هل تسمح القوة المسيطرة بالانتخابات؟
السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بقطاع غزة.
فالانتخابات لا يمكن اختزالها في وضع صناديق الاقتراع، إذ تتطلب حرية الحركة والدعاية والتجمع والترشح والتصويت، كما تتطلب بيئة أمنية تسمح للناخب والمرشح وموظفي لجنة الانتخابات بممارسة حقوقهم دون خوف.
وهنا تبرز مسؤولية الأطراف الدولية المنخرطة في ترتيبات غزة.
ومن المهم تصحيح توصيف مؤسسي: الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو رئيس مجلس السلام، فيما يشغل نيكولاي ميلادينوف دوراً تنفيذياً بارزاً في ملف غزة ضمن ترتيبات المجلس، وقد ظهر خلال الأسابيع الأخيرة منتقداً استمرار الضربات الإسرائيلية ومحذراً من أن استمرار التصعيد يهدد تنفيذ خطة غزة.
وهذا يفتح سؤالاً سياسياً مباشراً أمام إدارة ترامب ومجلس السلام:
هل ستكون الانتخابات الفلسطينية جزءاً من عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتوحيد غزة والضفة، أم أنها ستترك رهينة للواقع العسكري القائم؟
فإذا كان مجلس السلام يضطلع بدور في إعادة ترتيب الوضع الأمني والإداري في غزة، فإن ضمان البيئة الانتخابية يجب أن يكون جزءاً من مهمته، لا ملفاً ثانوياً.
الاحتلال لا يمكن أن يكون «حارساً» للديمقراطية الفلسطينية
الضفة الغربية لا تقل تعقيداً عن غزة.
فإلى جانب المناطق الخاضعة للإدارة الفلسطينية، توجد مناطق واسعة، ولا سيما المناطق المصنفة «ج»، تخضع لسيطرة إسرائيلية واسعة. ولجنة الانتخابات نفسها تشير إلى أن الاحتلال يفرض قيوداً على حرية الحركة داخل الضفة وبين الضفة وغزة، وهي قيود تؤثر بصورة مباشرة في العملية الانتخابية.
ومن هنا تبرز أسئلة لا يجوز تأجيل الإجابة عنها إلى يوم الاقتراع:
هل يستطيع المرشح عقد اجتماع انتخابي في منطقة «ج»؟
هل يستطيع الناخب الوصول إلى مركز الاقتراع؟
هل تستطيع لجنة الانتخابات إدخال المواد الانتخابية؟
هل يمكن منع مرشح أو ناشط من ممارسة الدعاية؟
ومن يتدخل إذا أغلقت إسرائيل مركز اقتراع أو اعتقلت أحد المرشحين؟
إن ترك هذه المسائل للميدان سيعني عملياً أن القوة القائمة بالاحتلال تملك حق تعطيل العملية الانتخابية في أي مرحلة، وهو أمر يتناقض مع جوهر الانتخابات الحرة والنزيهة.
القدس وغزة والضفة.. وحدة انتخابية واحدة
الخطأ الاستراتيجي الأكبر سيكون التعامل مع غزة والضفة والقدس باعتبارها ساحات انتخابية منفصلة.
فالانتخابات الفلسطينية، لكي تكون تعبيراً عن الإرادة الوطنية، يجب أن تقوم على وحدة الإقليم السياسي والانتخابي الفلسطيني.
وإذا جرت الانتخابات في الضفة بصورة مختلفة عن غزة، أو تعذر إجراؤها في القدس، فإن السؤال لن يكون فقط حول نزاهة الانتخابات، وإنما حول الوحدة السياسية والجغرافية التي يفترض أن تنتج عنها الشرعية الجديدة.
ولهذا فإن أي ترتيبات دولية لمرحلة ما بعد الحرب في غزة يجب أن تكون قائمة على إعادة دمج القطاع ضمن الإطار الفلسطيني الوطني، وليس إنتاج كيان إداري منفصل.
ماذا تغير بعد رأي محكمة العدل الدولية؟
رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 يمثل نقطة تحول قانونية مهمة.
فالمحكمة خلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت التزامات مرتبطة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وطالبت إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة بأسرع ما يمكن.
وبذلك لا يصح النظر إلى الانتخابات الفلسطينية فقط من خلال ترتيبات أوسلو أو منطق «التنسيق» مع القوة القائمة بالاحتلال.
لقد تغير الإطار القانوني الدولي الذي يجب أن تقرأ من خلاله المسألة.
فالانتخابات ليست منحة من الاحتلال، ولا امتيازاً تمنحه إسرائيل للفلسطينيين، وإنما هي وسيلة من وسائل ممارسة الشعب لحقه في تقرير مصيره.
وهنا يجب التفريق بين الواقع السياسي الذي فرضته اتفاقات أوسلو وبين الوضع القانوني الدولي للأرض الفلسطينية المحتلة.
أوسلو لم ينه الاحتلال ولم ينشئ سيادة فلسطينية كاملة؛ ولذلك لا يجوز أن تتحول ترتيباته المؤقتة إلى سقف دائم للحقوق الفلسطينية أو إلى أساس لتكريس تجزئة الأرض الفلسطينية.
ماذا نطلب من إدارة ترامب؟
إذا كانت إدارة ترامب، من خلال مجلس السلام، تريد أن تؤسس لمرحلة سياسية جديدة في غزة، فإن عليها أن تقدم إجابات واضحة عن الانتخابات الفلسطينية.
أولاً: هل تضمن واشنطن إجراء الانتخابات في غزة؟
ثانياً: هل تضمن عدم عرقلة إسرائيل للعملية الانتخابية؟
ثالثاً: هل ستتوقف الاعتقالات والاغتيالات والعمليات العسكرية التي يمكن أن تؤثر في حرية الناخب والمرشح؟
رابعاً: هل ستضمن حرية عمل لجنة الانتخابات المركزية؟
خامساً: من سيحمي مراكز الاقتراع؟
سادساً: ماذا سيحدث إذا حاولت إسرائيل منع الانتخابات في منطقة «ج»؟
سابعاً: كيف ستضمن الولايات المتحدة مشاركة المقدسيين في القدس بصورة حرة وكاملة؟
وثامناً، وهو السؤال الأكثر حساسية: هل ستقبل واشنطن بنتائج انتخابات حرة ونزيهة أياً كانت نتائجها السياسية؟
فالديمقراطية لا تعني السماح للشعب بالتصويت ثم قبول النتائج فقط إذا جاءت متوافقة مع إرادة القوى الدولية.
والاتحاد الأوروبي أمام الاختبار ذاته
الاتحاد الأوروبي، الذي يشارك في دعم المسار الدولي لحل الدولتين، مطالب أيضاً بتحويل دعمه من مجرد تمويل ومراقبة العملية الانتخابية إلى ضمان البيئة التي تسمح بإجرائها.
المطلوب ليس مراقبين دوليين يقفون أمام صناديق الاقتراع فحسب، بل آلية دولية تضمن حرية الحركة والدعاية والتجمع والترشح، وتحمي موظفي لجنة الانتخابات ومراكز الاقتراع، وتوثق أي تدخل أو انتهاك.
فالرقابة على الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع، وليس بعد فتح الصناديق.
الحماية الدولية.. من المراقبة إلى الضمان
في ظل استمرار الاحتلال، فإن الحديث عن انتخابات حرة يستدعي بحث آلية للحماية الدولية.
ولا يعني ذلك وضع الانتخابات تحت إدارة دولية، وإنما توفير ضمانات دولية لحماية العملية الانتخابية الفلسطينية.
وهذه الضمانات ينبغي أن تشمل القدس وغزة والضفة الغربية، وأن تتضمن:
حماية مراكز الاقتراع.
حماية المرشحين والناخبين.
ضمان حرية الحركة.
حماية موظفي لجنة الانتخابات.
ضمان حرية التجمع والدعاية الانتخابية.
منع التدخل العسكري في العملية الانتخابية.
مراقبة أي انتهاكات وتوثيقها.
إنشاء آلية دولية سريعة للنظر في الشكاوى.
ضمان نقل صناديق الاقتراع وفرزها بصورة شفافة.
تأمين مشاركة القدس باعتبارها جزءاً من الإقليم الفلسطيني المحتل.
الانتخابات امتحان للوحدة الوطنية
لكن المسؤولية لا تقع على المجتمع الدولي وحده.
فالقيادة الفلسطينية والفصائل والقوى السياسية مطالبة بتوفير أوسع توافق وطني ممكن، واحترام قواعد التنافس الديمقراطي، والقبول بنتائج الصندوق، ومنع استخدام السلاح أو النفوذ الأمني أو التحريض السياسي للتأثير في الناخبين.
كما أن نجاح الانتخابات يتطلب حماية استقلال لجنة الانتخابات المركزية، وعدم تحويلها إلى أداة في الصراع السياسي الداخلي.
فالانتخابات التي تستحق الحماية الدولية يجب أن تكون أولاً انتخابات فلسطينية وطنية مستقلة.
الخلاصة: لا ديمقراطية حقيقية تحت «فيتو» الاحتلال
إن الانتخابات الفلسطينية المقبلة قد تكون فرصة تاريخية لإعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية، واستعادة وحدة المؤسسات، وربط غزة بالضفة والقدس ضمن إطار سياسي وطني واحد.
لكنها قد تتحول، في المقابل، إلى أزمة شرعية جديدة إذا جرت في بيئة مجتزأة أو تحت قيود الاحتلال أو من دون ضمان مشاركة القدس أو من دون قدرة لجنة الانتخابات على الوصول إلى جميع الناخبين.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يوضع أمام إدارة ترامب ومجلس السلام والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ليس: هل يسمح الاحتلال بإجراء الانتخابات؟
بل:
كيف يضمن المجتمع الدولي أن الاحتلال لن يكون قادراً على منع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الانتخاب؟
هذه هي المسألة الجوهرية.
فالقدس ليست تفصيلاً، وغزة ليست إقليماً منفصلاً، ومناطق «ج» ليست هامشاً انتخابياً، والانتخابات الفلسطينية لا يمكن أن تكون حرة إذا بقيت خاضعة لقرار عسكري إسرائيلي.
وفي ضوء رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024، فإن المرجعية يجب أن تكون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ووحدة أرضه، وإنهاء الوضع غير القانوني الناشئ عن استمرار الاحتلال، لا مجرد إدارة الانتخابات ضمن ترتيبات مؤقتة.
إن نجاح الانتخابات لن يقاس فقط بعدد الناخبين أو الصناديق أو نسب المشاركة، وإنما بقدرة الفلسطيني على أن يقف أمام صندوق الاقتراع في القدس وغزة والضفة الغربية وهو مطمئن إلى أن صوته حر، وأن إرادته مصانة، وأن نتائج الصندوق لن تكون رهينة للقوة العسكرية.
وهنا تكمن المسؤولية التاريخية للمجتمع الدولي:
إذا كان العالم يريد دولة فلسطينية موحدة وديمقراطية، فعليه أولاً أن يحمي حق الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم بحرية. وإذا كان يريد انتخابات حقيقية، فعليه أن يمنع الاحتلال من امتلاك «حق الفيتو» على صناديق الاقتراع.
المحامي علي أبوحبلة