انتخابات إسرائيل 2026.. صراع اليمين على اليمين وصداع نتنياهو أمام خارطة سياسية متحركة
8/26/2026 10:01:00 PM
انتخابات إسرائيل 2026.. صراع اليمين على اليمين وصداع نتنياهو أمام خارطة سياسية متحركة
اعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مجرد منافسة تقليدية بين معسكرين سياسيين، بل تحولت إلى معركة متعددة المستويات داخل المعسكرات نفسها، وفي مقدمتها معسكر اليمين الذي يقوده بنيامين نتنياهو. فالمشكلة التي تواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية لا تكمن فقط في صعود منافسين من خارج الليكود، وإنما في ظهور قوى جديدة قادرة على إعادة توزيع أصوات اليمين، بما قد يجعل نتيجة الانتخابات رهينة بأصوات ضائعة وأحزاب صغيرة واتفاقات ائتلافية معقدة.
وقد حددت الكنيست يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 موعداً للانتخابات العامة للكنيست السادسة والعشرين. ويضم البرلمان الإسرائيلي 120 مقعداً، فيما تبلغ نسبة الحسم 3.25% من الأصوات الصحيحة، ما يجعل تجاوز العتبة الانتخابية مسألة حاسمة، خصوصاً بالنسبة للأحزاب الجديدة.
وينتر.. لاعب جديد يقلب حسابات اليمين
دخول الجنرال المتقاعد عوفر وينتر إلى الحياة السياسية عبر تأسيس حزب «أمتشا يسرائيل» (شعب إسرائيل) أضاف متغيراً مهماً إلى الخريطة الانتخابية. فقد أعلن وينتر تشكيل حزبه في 25 أغسطس، مقدماً قائمة تضم شخصيات عسكرية واحتياطية ومدنية، ومن بينها الناشط يوسف حداد في موقع متقدم بالقائمة.
الأهمية السياسية لوينتر لا ترتبط فقط بحجمه الانتخابي المحتمل، بل بموقعه داخل الخريطة الأيديولوجية. فهو يخاطب جمهوراً يمينياً قومياً وأمنياً يمكن أن يتقاطع مع قواعد الليكود و«الصهيونية الدينية» و«عوتسما يهوديت» وغيرها من القوى اليمينية.
وهنا تحديداً يكمن مصدر القلق لدى نتنياهو.
ففي استطلاع نشر في 26 أغسطس، حصل حزب وينتر على 6 مقاعد، بينما تراجعت «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش إلى 2.6%، أي دون نسبة الحسم. وفي الاستطلاع نفسه حصل الليكود على 21 مقعداً، مقابل 25 لحزب «يَشَر» بزعامة غادي آيزنكوت، و15 لحزب نفتالي بينيت، و10 للديمقراطيين بزعامة يائير غولان، و9 لإسرائيل بيتنا، و8 لعوتسما يهوديت.
وهذه الأرقام، وإن كانت لقطة انتخابية وليست نتيجة نهائية، تكشف جوهر الأزمة: وينتر لا يحتاج إلى أن يصبح الحزب الأكبر كي يؤثر في الانتخابات؛ يكفي أن يحصل على بضعة مقاعد وأن يسحبها من أحزاب اليمين حتى يغير معادلة تشكيل الحكومة.
لماذا يخشى نتنياهو من «تفتيت اليمين»؟
نتنياهو يدرك أن النظام الانتخابي الإسرائيلي يقوم على التمثيل النسبي، وأن الأصوات التي تذهب إلى قائمة لا تتجاوز نسبة الحسم لا تدخل في توزيع المقاعد. وبالتالي فإن المنافسة بين أحزاب متقاربة أيديولوجياً قد تتحول إلى معركة صفرية: حزب جديد يربح أصواتاً، لكنه في الوقت نفسه قد يتسبب في سقوط حزب حليف وعدم دخوله الكنيست.
ولهذا جاءت تحذيرات نتنياهو العلنية للأحزاب اليمينية الجديدة، داعياً إياها إلى الاندماج مع الأحزاب القائمة وعدم «هدر» أصوات اليمين.
غير أن هذا الخطاب يحمل مفارقة سياسية واضحة؛ فمحاولة نتنياهو منع وينتر من الترشح منفرداً قد تُفهم أيضاً باعتبارها محاولة للحفاظ على احتكار الليكود لقيادة المعسكر اليميني، وليس فقط حماية اليمين من الانقسام.
وهنا تتحول الانتخابات من صراع بين اليمين واليسار إلى صراع على من يملك حق تمثيل اليمين ومن يقوده ومن يحدد أجندته المستقبلية.
آيزنكوت.. التحدي الأكبر لنتنياهو
في المقابل، يبرز غادي آيزنكوت باعتباره أحد المستفيدين الرئيسيين من حالة إعادة ترتيب المشهد السياسي.
وتظهر استطلاعات أغسطس تقدماً متكرراً لحزبه «يَشَر». ففي أحد أحدث الاستطلاعات حصل على 25 مقعداً مقابل 21 لليكود، فيما أشارت استطلاعات أخرى خلال الشهر إلى نتائج متقاربة مع تقدم آيزنكوت أو تعادل بينه وبين نتنياهو.
لكن أهمية آيزنكوت لا تقاس بعدد المقاعد وحده. فهو يحاول تقديم نفسه بوصفه شخصية أمنية ذات خلفية عسكرية، في وقت أصبحت فيه قضايا الأمن والحرب وإدارة الدولة في صدارة اهتمام الناخب الإسرائيلي.
ومن هنا يمكن فهم سبب حساسية المنافسة: نتنياهو يمتلك خبرة سياسية طويلة وشبكة حزبية واسعة، بينما يحاول آيزنكوت تحويل رصيده العسكري والأمني إلى مشروع سياسي قادر على جذب ناخبين من الوسط واليمين المعتدل.
لا يوجد حتى الآن «معسكر 61» واضح
الأرقام الحالية لا تشير إلى انتصار مضمون لأي طرف.
فوفق أحد استطلاعات أغسطس، حصل معسكر نتنياهو على نحو 50–51 مقعداً، بينما تراوح المعسكر المناهض له حول 57–59 مقعداً، مع بقاء الأحزاب العربية خارج الحسابات التقليدية للائتلافات. وفي استطلاع 26 أغسطس هبط معسكر نتنياهو إلى 43 مقعداً وفق تعريف الكتل المستخدم في ذلك الاستطلاع، فيما حصلت أحزاب المعارضة على 59 مقعداً، وحزب وينتر على 6 مقاعد، والأحزاب العربية على 12. وحتى إضافة وينتر إلى معسكر نتنياهو في ذلك السيناريو لا تمنحه الأغلبية، إذ يصل إلى 49 مقعداً فقط.
وهذا يعني أن السؤال الحقيقي في الانتخابات المقبلة لن يكون فقط: من يفوز؟ بل: من يستطيع تشكيل ائتلاف يضم 61 نائباً؟
وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة الإسرائيلية؛ فالفوز بالمركز الأول لا يعني تلقائياً تشكيل الحكومة.
سموتريتش وبن غفير.. معضلة الحلفاء
تزداد مشكلة نتنياهو تعقيداً بسبب مستقبل أحزاب اليمين المتشدد نفسها.
سموتريتش يواجه خطر عدم تجاوز نسبة الحسم في بعض الاستطلاعات، بينما يحافظ إيتمار بن غفير على حضور انتخابي قوي. وفي المقابل، فإن صعود أي قوة يمينية جديدة يمكن أن يعيد توزيع المقاعد داخل هذا المعسكر.
المفارقة أن نتنياهو يحتاج إلى هذه القوى لتشكيل حكومة يمينية، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تصبح قوية إلى درجة تفرض عليه شروطاً سياسية وأمنية تفوق قدرته على المناورة.
ولهذا فإن معادلة نتنياهو تبدو شديدة التعقيد: يريد يميناً قوياً، لكنه لا يريد يميناً قوياً مستقلاً عنه.
جلعاد أردان.. احتمال إضافي لإعادة تشكيل اليمين
إلى جانب وينتر، يراقب الليكود تحركات شخصيات أخرى يمكن أن تتحول إلى لاعبين انتخابيين، ومن بينها جلعاد أردان، الذي يرتبط اسمه بمشروع سياسي جديد إلى جانب يولي إدلشتاين.
وتشير بيانات تجميعية للاستطلاعات إلى أن بعض هذه المشاريع الجديدة ما زالت تواجه صعوبة في تجاوز نسبة الحسم، لكن مجرد وجودها يعكس اتجاهاً أوسع نحو تفكك الأحزاب التقليدية وظهور قوائم جديدة تحاول استقطاب الناخبين من اليمين والوسط.
وهنا تكمن خطورة المشهد بالنسبة لنتنياهو: ليس أمامه خصم واحد يمكن مواجهته، بل سوق سياسية كاملة من المشاريع المتنافسة على الجمهور نفسه.
ما بعد 7 أكتوبر.. الناخب الإسرائيلي يبحث عن قيادة جديدة؟
لا يمكن فصل هذه التحولات عن تداعيات السابع من أكتوبر والحرب الطويلة التي أعقبتها.
فالانتخابات المقبلة هي الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب واسعة وتغيرات إقليمية عميقة، ولذلك فإنها تحمل بعداً يتجاوز المنافسة الحزبية المعتادة.
السؤال الذي يواجه الناخب الإسرائيلي ليس فقط ما إذا كان نتنياهو قادراً على الاستمرار، بل ما إذا كانت منظومة القيادة السياسية التي حكمت إسرائيل خلال السنوات الماضية قادرة على إنتاج إجابات جديدة لقضايا الأمن، والجيش، وإدارة الحرب، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والمجتمع الإسرائيلي، ومستقبل الدولة في الإقليم.
ومن هذه الزاوية، فإن ظهور وينتر وآيزنكوت وغيرهما قد يكون جزءاً من ظاهرة أوسع: إعادة تشكيل النخبة السياسية الإسرائيلية على خلفية أزمة ثقة عميقة في القيادة التقليدية.
ثلاثة سيناريوهات رئيسية
يمكن قراءة الخريطة الانتخابية الحالية من خلال ثلاثة سيناريوهات:
الأول: بقاء نتنياهو في موقع القيادة.
وهو يتطلب نجاح الليكود في استعادة جزء من قوته، وعبور أحزاب اليمين الحليفة نسبة الحسم، ومنع تبديد الأصوات، ثم جمع 61 مقعداً أو أكثر عبر ائتلاف سياسي متماسك.
الثاني: صعود آيزنكوت وتشكيل ائتلاف بديل.
وهذا يتطلب استمرار تقدم «يَشَر»، وبقاء أحزاب الوسط واليمين المعارض قوية، والتوصل إلى تفاهمات ائتلافية مع بينيت وليبرمان وغولان وربما قوى أخرى.
الثالث: كنيست بلا أغلبية واضحة.
وهو السيناريو الأكثر تعقيداً، إذ قد تنتهي الانتخابات إلى برلمان مجزأ لا يستطيع فيه أي معسكر بلوغ 61 مقعداً، فتبدأ مفاوضات طويلة حول التحالفات والاندماجات والانشقاقات، وربما إعادة الانتخابات إذا تعذر تشكيل حكومة مستقرة.
الخلاصة: معركة نتنياهو الحقيقية داخل معسكره
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تبدو في هذه المرحلة أقرب إلى انتخابات إعادة تشكيل للنظام الحزبي منها إلى انتخابات عادية لتغيير الحكومة.
نتنياهو لا يواجه آيزنكوت وبينيت وليبرمان وغولان فقط؛ إنه يواجه أيضاً تحولات داخل معسكره نفسه. وينتر هو التعبير الأحدث عن هذا التحول، لكنه قد لا يكون الأخير.
وإذا استطاعت القوى الجديدة تجاوز نسبة الحسم، فإنها ستقتطع من أرصدة الأحزاب القائمة. وإذا فشلت، فقد تتحول أصواتها إلى «أصوات ضائعة» تساعد بصورة غير مباشرة على ترجيح كفة المعسكر الآخر.
أما بالنسبة لنتنياهو، فإن المعضلة الاستراتيجية هي أن المحافظة على السلطة تتطلب توحيد اليمين، بينما طموحه السياسي يتطلب إبقاء القيادة اليمينية تحت مظلته.
وبذلك يصبح «صداع الانتخابات» الذي تتحدث عنه الصحافة الإسرائيلية أكثر من مجرد قلق انتخابي؛ إنه اختبار لمستقبل القيادة اليمينية الإسرائيلية نفسها.
وفي ظل اقتراب موعد الاقتراع، فإن المعركة الحقيقية ستدور على ثلاثة محاور متزامنة: من يقود اليمين؟ من يستطيع تجاوز نسبة الحسم؟ ومن يستطيع جمع 61 مقعداً لتشكيل الحكومة؟
والإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل نتنياهو السياسي، بل قد تحدد شكل السياسة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة تجاه الحرب، والأمن، والعلاقات الإقليمية والدولية، والقضية الفلسطينية.