معايير اختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني... مدخل لإعادة بناء الشرعية وتعزيز دولة القانون
8/3/2026 10:59:00 PM

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لا تكتسب الانتخابات التشريعية المقبلة أهميتها من كونها استحقاقاً ديمقراطياً طال انتظاره فحسب، بل لأنها تمثل محطة مفصلية في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعية مؤسساته على أسس دستورية ووطنية راسخة. فنجاح الانتخابات لا يقاس بنسبة المشاركة أو بعدد القوائم المتنافسة، وإنما بقدرة الشعب والقوى السياسية على اختيار مجلس تشريعي قوي، يتمتع أعضاؤه بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية، وقادر على ممارسة صلاحياته الدستورية في التشريع والرقابة والمساءلة، بعيداً عن الفئوية والمحاصصة والولاءات الشخصية.
إن المجلس التشريعي هو الضامن للتوازن بين السلطات، وحارس المال العام، والمدافع عن الحقوق والحريات، والجهة المختصة بإقرار التشريعات ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، ومراجعة الاتفاقيات الدولية، ومواءمة التشريعات الوطنية مع التزامات دولة فلسطين الدولية بما يحفظ الثوابت الوطنية ويعزز مكانتها القانونية والسياسية.
وتؤكد المعايير الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومبادئ الاتحاد البرلماني الدولي (IPU)، وآراء لجنة البندقية، ومعايير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، أن البرلمان الديمقراطي لا يقاس فقط بسلامة إجراءات الانتخاب، وإنما أيضاً بجودة أعضائه واستقلاليتهم ونزاهتهم، وقدرتهم على تمثيل المصلحة العامة دون تأثير من المال السياسي أو النفوذ أو المصالح الخاصة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستوجب تجاوز ثقافة المحاصصة الفصائلية والعائلية، ورفض تحويل المجلس التشريعي إلى ساحة لتقاسم النفوذ أو المصالح، لأن التجارب أثبتت أن البرلمانات التي تُبنى على الولاءات الشخصية والمحسوبيات تفقد قدرتها على الرقابة والتشريع، وتتحول إلى أداة لإضعاف النظام الديمقراطي بدلاً من ترسيخه.
إن المعيار الأول في اختيار المرشح يجب أن يكون النزاهة والكفاءة، فلا يكفي ألا يكون المرشح محكوماً بحكم قضائي، بل يجب أن يكون سجله العام خالياً من شبهات الفساد أو استغلال النفوذ أو تضارب المصالح، وأن يحظى بثقة المجتمع وسمعة مهنية ووطنية مشهود لها. فالمناصب العامة تقوم على الثقة العامة، والبرلمان لا يمثل القانون فحسب، بل يمثل أيضاً الضمير الوطني والأخلاقي للشعب.
كما ينبغي أن يمتلك المرشح المعرفة القانونية أو السياسية أو الاقتصادية، والخبرة العملية التي تؤهله لمناقشة مشاريع القوانين، وإقرار الموازنات العامة، ومساءلة الحكومة، ومراقبة الإنفاق العام، وتقييم السياسات العامة، والمشاركة في صياغة تشريعات حديثة تواكب التحولات الوطنية والإقليمية والدولية.
ومن مقتضيات النزاهة والحوكمة الرشيدة أن تتضمن مدونة السلوك البرلماني وميثاق الشرف الانتخابي قواعد واضحة لمنع تضارب المصالح، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية. وفي هذا الإطار، يجدر بالقوى السياسية والقوائم الانتخابية أن تتجنب ترشيح الأشخاص الذين قد تنشأ بشأنهم شبهة تعارض المصالح بسبب وجود صلة قرابة من الدرجة الأولى مع مسؤولين يشغلون مناصب قيادية أو وظائف مدنية أو عسكرية أو أمنية أو قضائية ذات تأثير مباشر، إذا كان من شأن تلك العلاقة أن تثير شبهة استغلال النفوذ أو التأثير في استقلالية عضو المجلس التشريعي. ولا يشكل ذلك حرماناً من الحق الدستوري في الترشح، وإنما يمثل التزاماً أخلاقياً وسياسياً يعزز الثقة العامة ويكرس مبادئ الشفافية والنزاهة، انسجاماً مع أفضل الممارسات البرلمانية الدولية.
كما تقتضي متطلبات الدولة الحديثة تحصين العملية الانتخابية من المال السياسي، وشراء الأصوات، واستغلال الوظيفة العامة، أو استخدام النفوذ الإداري أو الأمني أو المالي للتأثير في إرادة الناخبين، لأن الديمقراطية الحقيقية تقوم على حرية الاختيار وتكافؤ الفرص، لا على النفوذ أو الامتيازات.
إن فلسطين، وهي تخوض معركة تثبيت حقوقها الوطنية في مواجهة الاحتلال، تحتاج إلى مجلس تشريعي يمتلك رؤية استراتيجية، ويكون قادراً على تطوير المنظومة القانونية، وتعزيز صمود المجتمع، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ استقلال القضاء، ومراقبة أداء الحكومة، وتفعيل أدوات المساءلة البرلمانية، بما يعزز ثقة المواطن بالمؤسسات الوطنية.
إن بناء مجلس تشريعي قوي يبدأ من حسن اختيار أعضائه. فالناخب لا يمنح صوته لشخص، بل يمنح وكالة دستورية لمن سيتولى الدفاع عن مصالح الشعب، وصون المال العام، وحماية الحقوق، وصياغة مستقبل الدولة. ولذلك فإن معيار الكفاءة والنزاهة والاستقلالية يجب أن يسمو على كل اعتبار حزبي أو فئوي أو شخصي.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، فإن المصلحة الوطنية العليا تقتضي أن تكون المنافسة الانتخابية منافسة بين البرامج والكفاءات والرؤى، لا بين الولاءات والمحاصصات. فالدول القوية تُبنى بمؤسسات قوية، والمؤسسات القوية لا يصنعها إلا رجال ونساء يمتلكون العلم والخبرة والنزاهة والاستقلال والشجاعة في قول الحق، ويضعون فلسطين فوق كل اعتبار.
إن المرحلة القادمة تستدعي برلماناً يعيد الاعتبار للدور التشريعي والرقابي، ويكون شريكاً في بناء دولة القانون والمؤسسات، وقادراً على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والقانونية، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة، بما ينسجم مع أفضل المعايير البرلمانية الدولية، ويعكس تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والديمقراطية وبناء دولته المستقلة ذات السيادة

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة