طولكرم بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل: نحو شراكة وطنية لتنمية المدينة وحماية هويتها العمرانية
6/15/2026 3:49:00 PM
طولكرم بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل: نحو شراكة وطنية لتنمية المدينة وحماية هويتها العمرانية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
كاتب ومحلل سياسي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في الوقت الذي تستحق فيه الجهود التي تبذلها بلدية طولكرم في تحسين البنية التحتية، وترميم الأرصفة والمرافق العامة، والاهتمام بالنظافة والتجميل الحضري، كل التقدير والاحترام، فإن حجم التحديات التي تواجه المدينة اليوم يتطلب الانتقال من إدارة الاحتياجات اليومية إلى تبني رؤية استراتيجية شاملة لصناعة المستقبل.
إن المدن لا تُبنى فقط بالمشاريع الخدمية، بل بالرؤى الاقتصادية والتنموية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى خلق بيئة استثمارية جاذبة تحفظ للمواطن كرامته وتوفر فرص العمل وتعزز صموده فوق أرضه. ومن هنا فإن طولكرم، بما تمتلكه من موقع جغرافي مميز وإرث اقتصادي وتاريخي وموارد بشرية واعدة، تحتاج إلى مشروع وطني تنموي متكامل يشارك فيه الجميع، من البلدية والقطاع الخاص والبنوك والمؤسسات المالية والغرفة التجارية ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن البلديات الناجحة لم تعد مجرد جهات تقدم الخدمات، بل أصبحت مؤسسات تنموية تقود الاستثمار المحلي وتساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير البيئة المناسبة للنمو العمراني والاقتصادي المستدام. وهذا ما تحتاجه طولكرم اليوم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المدينة والمحافظة عموماً.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق "صندوق طولكرم للتنمية والاستثمار الحضري" كشراكة بين البلدية والبنوك العاملة في فلسطين ورجال الأعمال الفلسطينيين والمؤسسات الاقتصادية والمالية، بحيث يخصص لتمويل المشاريع التنموية والاستثمارية ذات الأولوية، ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويساهم في تطوير البنية التحتية والمرافق العامة والمناطق الصناعية والتجارية.
كما أن المسؤولية الوطنية للبنوك والمؤسسات المالية لا تقتصر على تحقيق الأرباح، بل تمتد إلى المساهمة في التنمية المحلية من خلال برامج تمويل ميسرة للمشاريع الإنتاجية والإسكانية والاستثمارية، وتوفير قروض بشروط تشجيعية للشباب ورواد الأعمال والمستثمرين، بما يخلق فرص عمل جديدة ويحد من البطالة ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، فإن الحفاظ على الرقعة الجغرافية لمدينة طولكرم يتطلب رؤية عمرانية واضحة تمنع التوسع العشوائي وتحافظ على الأراضي الزراعية والهوية العمرانية للمدينة، مع العمل على تشجيع الاستثمار والبناء المنظم من خلال تقديم حوافز وتسهيلات بلدية مدروسة، تشمل تسريع إجراءات التراخيص، وإعادة النظر في بعض الرسوم بما يشجع إقامة المشاريع السكنية والتجارية والاستثمارية التي تلبي احتياجات المواطنين وتسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
كما أن تطوير المدينة يستوجب استكمال مشاريع التنظيم الحضري، ومعالجة الاختناقات المرورية، وتنظيم الأسواق والبسطات، وتحسين مداخل المدينة، وتوسيع المساحات الخضراء، وإعادة تأهيل الساحات العامة، بما يعزز جاذبية طولكرم كمدينة صالحة للاستثمار والسكن والعمل.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون ترسيخ مبدأ الشراكة المجتمعية الحقيقية، من خلال تشكيل مجلس استشاري اقتصادي وتنموي يضم ممثلين عن البلدية والغرفة التجارية والبنوك ورجال الأعمال والجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، تكون مهمته إعداد رؤية استراتيجية طويلة الأمد لمستقبل المدينة ومتابعة تنفيذها.
إن طولكرم اليوم بحاجة إلى مشروع نهضوي جامع، يخرجها من دائرة إدارة الأزمات إلى فضاء التخطيط للمستقبل، ويحولها إلى نموذج وطني في التنمية المحلية المستدامة. فالتحديات كبيرة، لكن الفرص أكبر إذا ما توفرت الإرادة والرؤية والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات المجتمع.
إن الاستثمار في المدينة هو استثمار في صمود أهلها، والحفاظ على هويتها، وتعزيز حضورها الاقتصادي والوطني. ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تعبئة للطاقات والموارد والإمكانات، عنوانها: "طولكرم مدينة التنمية والاستثمار والشراكة المجتمعية"، بما يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة.