تلفزيون نابلس
كوكا كولا
من قرار التقسيم 181 إلى القرار 2334: الشرعية الدولية في خطاب الرئيس محمود عباس أمام المؤتمر الثامن لحركة فتح قراءة سياسية وقانونية واستراتيجية في مسار القضية الفلسطينية
5/14/2026 6:44:00 PM

 من قرار التقسيم 181 إلى القرار 2334: الشرعية الدولية في خطاب الرئيس محمود عباس أمام المؤتمر الثامن لحركة فتح قراءة سياسية وقانونية واستراتيجية في مسار القضية الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خطابه أمام أعضاء المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وضع الرئيس محمود عباس القضية الفلسطينية مجددًا في إطارها الطبيعي بوصفها قضية تحرر وطني تستند إلى الشرعية الدولية، مؤكدًا أن الحقوق الفلسطينية لم تكن يومًا منحة سياسية، بل هي حقوق ثابتة أقرتها قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي. ومن هذا المنطلق، استحضر الرئيس في خطابه مجموعة من أهم القرارات الدولية المؤسسة، وفي مقدمتها قرار التقسيم 181، القرار 194، القراران 242 و338، وصولًا إلى القرار 2334، باعتبارها محطات قانونية وسياسية ترسم الإطار الدولي للحل العادل والدائم.
إن استدعاء هذه القرارات في هذا التوقيت لا يمكن قراءته بوصفه مجرد استعراض تاريخي، بل يمثل رسالة سياسية وقانونية مركبة مفادها أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يزال يرتكز إلى مرجعية دولية واضحة، رغم محاولات تجاوزها بالقوة العسكرية أو الأمر الواقع الاستيطاني أو مشاريع الضم والإقصاء.
أولًا: القرار 181 لعام 1947 – الأساس الدولي لقيام دولتين
يُعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، المعروف باسم قرار التقسيم، أول اعتراف دولي منظم بفكرة قيام دولتين على أرض فلسطين التاريخية: دولة عربية ودولة يهودية، مع وضع خاص لمدينة القدس.
ورغم ما أحاط بالقرار من جدل تاريخي وسياسي، فإن أهميته القانونية تكمن في أنه:
أسس لمبدأ الحل القائم على دولتين.
أقر بحق الشعب العربي الفلسطيني في دولة مستقلة.
وضع القدس في إطار دولي خاص، ما ينفي الادعاءات الأحادية بشأن سيادتها المنفردة.
ومن هنا، فإن الإشارة إليه في خطاب الرئيس محمود عباس تعني أن القيادة الفلسطينية لا ترفض المرجعية الدولية، بل تتمسك بها منذ بداياتها.
ثانيًا: القرار 194 لعام 1948 – حق العودة والتعويض
يُعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 من أهم القرارات المتعلقة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، إذ نص في الفقرة 11 على وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم بالعودة في أقرب وقت ممكن، وتعويض من لا يرغب بالعودة أو من تضررت ممتلكاته.
وتنبع أهمية القرار من أنه:
رسخ حق العودة بوصفه حقًا فرديًا وجماعيًا.
أكد حق التعويض وجبر الضرر.
أبقى قضية اللاجئين عنصرًا جوهريًا في أي تسوية نهائية.
وعليه، فإن استحضاره في الخطاب يعكس تمسكًا فلسطينيًا بأن قضية اللاجئين لا تسقط بالتقادم ولا تُشطب بالحلول الاقتصادية.
ثالثًا: القرار 242 لعام 1967 – الأرض مقابل السلام
صدر قرار مجلس الأمن رقم 242 عقب حرب حزيران 1967، وأكد مبدأين رئيسيين:
عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب.
انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت عام 1967.
وقد أصبح القرار أحد أهم مرتكزات عملية السلام، وصيغة الأرض مقابل السلام.
وتكمن أهميته الاستراتيجية في أنه:
يمنح المطالبة الفلسطينية بإنهاء الاحتلال أساسًا قانونيًا واضحًا.
يربط السلام الإقليمي بإنهاء الاحتلال لا بإدارته.
يرفض منطق فرض السيادة بالقوة.
رابعًا: القرار 338 لعام 1973 – تنفيذ القرار 242 والتفاوض
صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، ودعا إلى وقف إطلاق النار والتنفيذ الفوري للقرار 242 والدخول في مفاوضات لإقامة سلام عادل ودائم.
وأهمية القرار أنه:
أعاد إحياء القرار 242 وربطه بالتنفيذ.
جعل التفاوض مسارًا مرتبطًا بإنهاء الاحتلال.
شكل لاحقًا مرجعية رئيسية للمؤتمرات والاتفاقات السياسية.
وبذلك، فإن الإشارة إليه تؤكد أن التفاوض في الرؤية الفلسطينية ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتنفيذ القانون الدولي.
خامسًا: القرار 2334 لعام 2016 – عدم شرعية الاستيطان
أما قرار مجلس الأمن رقم 2334 فقد جاء ليعيد التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا شرعية لها وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
ويمثل القرار تطورًا مهمًا لأنه:
أكد أن الاستيطان يهدد حل الدولتين.
دعا إلى الوقف الفوري والكامل للأنشطة الاستيطانية.
طالب الدول بالتمييز بين إسرائيل والأراضي المحتلة في تعاملاتها.
ومن ثم، فهو يشكل مرجعية قانونية حديثة يمكن الاستناد إليها في المحافل الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية.
سادسًا: الدلالات السياسية لربط هذه القرارات في خطاب واحد
إن جمع الرئيس محمود عباس بين القرارات 181 و194 و242 و338 و2334 في خطابه لم يكن عرضًا أرشيفيًا، بل بناءً سياسيًا متكاملًا يقوم على خمس رسائل:
1. القضية الفلسطينية لها سند قانوني متراكم
فهي ليست نزاعًا بلا مرجعية، بل قضية حسمت الأمم المتحدة عناصرها الأساسية: الدولة، اللاجئون، الاحتلال، الاستيطان، والسلام.
2. لا شرعية لأي حلول تتجاوز هذه القرارات
أي مشروع يتجاهل الدولة الفلسطينية أو حق العودة أو إنهاء الاحتلال يفتقر إلى المشروعية الدولية.
3. الشرعية الدولية ما زالت قائمة رغم اختلال موازين القوى
فالقوة قد تعطل التنفيذ، لكنها لا تلغي الحق.
4. الوحدة الوطنية ضرورة لاستثمار هذا الرصيد القانوني
إذ لا يمكن توظيف القرارات الدولية في ظل الانقسام الداخلي والتشرذم السياسي.
5. المعركة المقبلة قانونية ودبلوماسية بقدر ما هي سياسية
خصوصًا مع تصاعد دور القضاء الدولي وحملات الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
سابعًا: بين النصوص الدولية وواقع التنفيذ
رغم كثافة القرارات الدولية، بقي التنفيذ معطلًا بسبب:
غياب الإرادة الدولية الملزمة.
الحماية السياسية التي تتمتع بها إسرائيل في بعض المحافل.
الانقسام الفلسطيني الداخلي.
ضعف النظام الدولي في فرض قراراته بمعايير متساوية.
لكن ذلك لا ينتقص من قيمة هذه القرارات، بل يجعلها أدوات نضال سياسي وقانوني متراكمة يجب استثمارها.
ثامنًا: ما المطلوب فلسطينيًا؟
في ضوء هذا الخطاب، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الشرعية الدولية إلى برنامج عمل عبر:
توحيد البيت الفلسطيني.
تفعيل المسار القانوني أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
توسيع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
ملاحقة الاستيطان اقتصاديًا وقانونيًا.
بناء استراتيجية دبلوماسية عربية ودولية داعمة.
الخاتمة.
إن استحضار الرئيس محمود عباس للقرارات 181 و194 و242 و338 و2334 في خطابه أمام المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح يعكس رؤية سياسية تعتبر أن الصراع ليس على غياب الحق، بل على تعطيل تنفيذه.
فالشرعية الدولية، رغم كل ما أصابها من عجز، ما زالت تؤكد أن للشعب الفلسطيني حقه في الدولة والعودة والحرية وإنهاء الاحتلال. ومن هنا، فإن التحدي لم يعد في إثبات الحق، بل في امتلاك أدوات فرضه سياسيًا وقانونيًا واستراتيجيًا

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة