تلفزيون نابلس
كوكا كولا
المؤتمر الثامن لحركة فتح: الشرعية التنظيمية بين النص والجوهر
5/13/2026 1:08:00 AM
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في لحظات التحول الوطني الكبرى، لا تُقاس قيمة المؤتمرات بعدد الحضور، ولا بزخم الشعارات، ولا بما يرافقها من ضجيج سياسي وإعلامي، بل تُقاس بمدى احترامها للنظام الداخلي، والتزامها بالميثاق الوطني، وقدرتها على تجديد الشرعية التنظيمية وترسيخ وحدة الصف. فالمؤتمر الذي يفقد صلته بقواعده الناظمة، ويتجاوز الأصول التي قام عليها، يتحول إلى إجراء شكلي، ويصبح انعقاده من عدمه سواء.
إن أي حركة تحرر وطني، وفي مقدمتها حركة فتح، تستمد قوتها من صدقية بنيتها الداخلية، ومن التزام أعضائها بالمبادئ المؤسسة، ومن قدرتها على تقديم المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفردية والفئوية. وحين تتراجع هذه المعايير، وتتقدم الشخصنة على المؤسسة، وتُستبدل الشراكة بمنطق الإقصاء، تدخل التنظيمات في حالة من التآكل البطيء مهما بدا شكلها الخارجي متماسكاً.
القضية الفلسطينية تمر اليوم بمرحلة من أخطر مراحلها؛ حرب مفتوحة على غزة، وتصعيد استيطاني غير مسبوق في الضفة الغربية، ومحاولات منهجية لتصفية حق العودة، وإضعاف وكالة الأونروا، وتكريس واقع الفصل الجغرافي والسياسي بين مكونات الشعب الفلسطيني. وفي ظل هذه التحديات، تصبح الحاجة ملحّة إلى بنية وطنية صلبة، وإلى أطر تنظيمية تستند إلى الشرعية والتمثيل الحقيقي، لا إلى ترتيبات ظرفية أو توازنات مؤقتة.
من هنا، فإن المؤتمر الثامن لحركة فتح لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه استحقاقاً إجرائياً فحسب، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الحركة على استعادة دورها التاريخي. ففتح لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل شكلت لعقود العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وحملت مشروع الهوية الوطنية والاستقلال. وأي اهتزاز في بنيتها الداخلية ينعكس مباشرة على مجمل الحالة الفلسطينية.
الأساس في نجاح أي مؤتمر ليس انعقاده، بل احترام وحدة التنظيم، وثبات العضوية، ووضوح معايير التمثيل، وحرية الاختيار، وتجديد القيادة وفق أسس الكفاءة والنزاهة والمساءلة. كما أن صدقية الانتماء لا تُقاس بالشعارات، بل بالالتزام بالفكر الوطني الفلسطيني الذي يضع الوطن فوق الأشخاص، والمشروع الوطني فوق المصالح، والصالح العام فوق كل اعتبار.
إن المؤتمرات التي تُعقد خارج روح أنظمتها الداخلية قد تنتج هياكل، لكنها لا تنتج شرعية. وقد تُفرز أسماء، لكنها لا تبني ثقة. وقد تصنع مشهداً إعلامياً، لكنها تعجز عن صناعة مستقبل. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس في عقد المؤتمر، بل في تحويله إلى محطة مراجعة شاملة وإصلاح جاد يعيد الاعتبار للمؤسسة، ويضخ دماء جديدة في الحياة التنظيمية، ويؤسس لمرحلة من الوحدة والفاعلية.
ففي زمن المخاطر الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية، لم يعد مقبولاً أن تبقى الخلافات الشخصية والمراكز الضيقة حاكمة للمشهد. المطلوب اليوم رؤية استراتيجية تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية والمساءلة، وتستنهض طاقات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
عندها فقط يصبح انعقاد أي مؤتمر قيمة مضافة، ويصبح التنظيم رافعة وطنية، وتصبح الشرعية حقيقة سياسية لا مجرد نصوص معلقة. أما دون ذلك، فإن الأسماء تتغير، والمواعيد تتبدل، لكن الأزمة تبقى قائمة.

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة