تلفزيون نابلس
كوكا كولا
تسليم محمود العدرا: خطيئة سياسية وقانونية لا يجوز أن تتحول إلى نهج
4/19/2026 1:40:00 AM

 تسليم محمود العدرا: خطيئة سياسية وقانونية لا يجوز أن تتحول إلى نهج

كتب وليد العوض
ما زالت قضية تسليم محمود العدرا (هشام حرب) إلى السلطات في فرنسا تتفاعل، لا بوصفها إجراءً عابراً يمكن احتواؤه، بل كحدث سياسي يطرح أسئلة عميقة حول حدوده وتعريفاته في المرحلة الراهنة. فالمسألة لا تتعلق بشخص أو بملف قانوني معزول، بقدر ما تمس جوهر الرواية الوطنية، وتعيد فتح ملفات الصراع خلال حقبة تاريخية معينة، في سياق محاولات متصاعدة لإعادة توصيفها وفق معايير منحازة.
ما جرى ليس خطأً إجرائياً عابراً، بل خطيئة سياسية وقانونية مزدوجة، تضع النضال الفلسطيني في مواجهة محاكمات بأثر رجعي، وتُخضعه لسرديات دولية تحاول تجريده من طابعه التحرري.
فالعدرا ليس مجرد اسم في ملف قضائي، بل هو ابن مرحلة تاريخية كانت فيها الساحات الأوروبية جزءاً من ميدان الاشتباك المفتوح بين الثورة الفلسطينية ودولة الاحتلال. في تلك الحقبة، لم يكن الصراع محصوراً داخل فلسطين، بل امتد إلى عواصم العالم، حيث تداخلت السياسة بالأمن، وشهدت تلك الساحات عمليات متبادلة لم تقتصر على طرف واحد. فقد نفذت مجموعات فلسطينية عمليات ضد أهداف اعتبرتها مرتبطة بالمشروع الصهيوني، في مقابل نشاط واسع لأجهزة الاحتلال، وعلى رأسها “الموساد”، الذي نفذ عمليات اغتيال وملاحقة طالت كوادر وقيادات فلسطينية، بما في ذلك على الأراضي الفرنسية ذاتها.
إن إعادة فتح هذا الملف اليوم، بمعزل عن سياقه التاريخي والسياسي، ليست مسألة قانونية بحتة، بل جزء من مسار أوسع لإعادة توصيف تلك المرحلة وتجريمها بأثر رجعي. وهذا لا يستهدف فرداً بعينه، بل يطال شرعية الكفاح الوطني برمته، ويفتح الباب أمام محاكمة تاريخ كامل بعيون الخصوم وبأدواتهم القانونية والسياسية.
وتكمن الخطورة في أن هذه السابقة، إذا ما جرى تكريسها، ستجعل كل من انخرط في مراحل سابقة من النضال عرضة للملاحقة في أي وقت، بما يعيد صياغة الوعي الوطني وفق سردية معادية، ويمنح خصوم القضية الفلسطينية أدوات إضافية للطعن في عدالتها.
وفي قلب هذا البعد السياسي، يبرز البعد القانوني بوصفه تأكيداً على خطورة ما جرى. فقرار تسليم العدرا يشكل خرقاً واضحاً وصريحاً للمادة (28) من القانون الأساسي الفلسطيني، التي تحظر تسليم أي فلسطيني لأي جهة أجنبية تحت أي ظرف. هذا النص لم يكن تفصيلاً قانونياً، بل تعبيراً عن تجربة تاريخية عميقة، وعن إدراك لمخاطر إخضاع الفلسطيني لمنظومات قانونية خارج سياقه الوطني.
إن هذا القرار لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. فهو لا يمثل فقط تجاوزاً لنص دستوري، بل يمس مبدأ السيادة الوطنية، ويفتح الباب أمام سابقة تهدد حقوق المواطنين وتضعف الثقة بالمنظومة القانونية برمتها.
كما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل ما زال المواطن الفلسطيني محمياً بقوة القانون الأساسي، أم أصبح خاضعاً لاعتبارات السياسة والضغوط الخارجية؟ إن تحويل الحماية القانونية من حق ثابت إلى مسألة تقديرية يقوّض أساس العلاقة بين المواطن والسلطة.
كان الأجدر معالجة هذه القضية ضمن الأطر القضائية الوطنية، بما يحفظ كرامة المواطن وحقوقه، ويصون الرواية الوطنية من التشويه. فالقضاء الوطني، رغم التحديات، يبقى الإطار الطبيعي لأي مساءلة، وهو القادر على تحقيق التوازن بين القانون والاعتبارات السياسية.
إن تداعيات هذا القرار لا تقف عند حدود الحالة الفردية، بل تمتد إلى بنية النظام السياسي والقانوني الفلسطيني، وإلى مستوى الثقة العامة به. فالدولة التي تتخلى عن التزاماتها الدستورية تفتح الباب أمام تآكل شرعيتها، وتضعف قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية.
وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس فقط مراجعة هذا القرار، بل منع تحوله إلى سابقة تؤدي إلى تكريسه، بما يحمله ذلك من مخاطر على الحاضر والمستقبل معاً. إن إعادة الاعتبار للنضال الفلسطيني في سياقه التاريخي الصحيح، والالتزام الصارم بالقانون الأساسي، يشكلان معاً خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين، وعن عدالة القضية الفلسطينية.
 

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة