4/1/2026 3:47:00 AM
المجاعة تزحف بصمت … وغزة على حافة الانهيار
كتب وليد العوض
لم تعد المجاعة، كشكل من أشكال حرب الإبادة في قطاع غزة، خطرًا محتملاً، بل واقعًا يتسلل بصمت إلى حياة الناس، بفعل تلاقي سياسات الحصار والعدوان مع ممارسات داخلية لا تقل خطورة، تتمثل في احتكار السلع الأساسية والتلاعب المنهجي بأسعارها. إذ يجري حجب المواد الغذائية ورفع أسعارها بصورة مفتعلة، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، ما يحوّل قوت الناس إلى أداة للربح والاستغلال على حساب كرامتهم وحقهم في الحياة.
هذا الواقع الكارثي يتغذى من السياسات الإسرائيلية التي تواصل تقليص إدخال شاحنات المساعدات والمواد الحيوية، بما في ذلك الوقود والغاز، في إطار سياسة ممنهجة لإبقاء القطاع على حافة الانهيار، واستخدام التجويع كسلاح سياسي للضغط والابتزاز. وقد أدى ذلك إلى شحّ خطير في الإمدادات، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، ودفع المجتمع بأسره نحو مستويات غير مسبوقة من الفقر والعوز.
وفي الوقت الذي يتعثر فيه تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ في أكتوبر الماضي، بفعل الخروقات الإسرائيلية المتكررة، يجري الدفع باتجاه إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في القطاع وفق شروط تمسّ جوهر القضية الوطنية، وخاصة ما يتعلق بمسألة الإدارة والسيطرة. وفي هذا السياق، ما تزال لجنة التكنوقراط التي جرى الإعلان عن تشكيلها تراوح مكانها، أسيرة التعقيدات السياسية والتجاذبات الداخلية، الأمر الذي يعمّق حالة الفراغ الإداري ويؤخر أي إمكانية لمعالجة الانهيار المتسارع في الأوضاع الإنسانية.
الأخطر من ذلك أن هذه اللحظة الحرجة تشهد عودة لسياسات فرض الضرائب والرسوم الباهظة على السلع، وتصاعدًا في الجباية، بما في ذلك ما تفرضه البلديات، حتى على القاطنين في خيامهم وأصحاب البسطات من محدودي الدخل، في وقت يُفترض فيه تخفيف الأعباء عن الناس لا زيادتها. إن تحميل المواطنين كلفة الحصار والحرب، تحت أي مبرر، يشكل انتهاكًا فاضحًا لحقوقهم، ويعكس خللًا عميقًا في أولويات السياسات العامة.
إن مواجهة شبح المجاعة، ومنع إعادة إنتاج حرب الإبادة بأشكالها المختلفة، بما فيها حرب التجويع، والتصدي لمخططات التهجير، لا يمكن أن يتحقق عبر استعراضات القوة ونشر الحواجز، بما تحمله من إشارات واضحة للتمسك بسلطة الحكم، ناهيك عن كونها مستهدفة يوميًا من قبل الاحتلال وسقوط عشرات الشهداء، الأمر الذي ستتخذه حكومة بنيامين نتنياهو ذريعةً إضافية للعودة إلى حرب الإبادة، ولا من خلال إنهاك المواطنين بالجباية والرسوم، بل عبر سياسات مسؤولة تنحاز للفقراء، وتعزز صمود الناس، وتكرّس العدالة والتكافل الاجتماعي في مواجهة الحصار والعدوان.
إن غزة اليوم تقف على حافة كارثة إنسانية شاملة، ولم يعد الصمت أو التردد خيارًا. إن استمرار هذه السياسات يعني الذهاب الواعي نحو تعميق المجاعة وتكريس الانهيار واستدعاء العدوان ، وهو ما يفرض تحركًا عاجلًا ومسؤولًا لوقف هذا المسار الكارثي.
فالمعركة اليوم ليست فقط مع الحصار والعدوان، بل أيضًا مع كل السياسات التي تُثقل كاهل الناس وتدفعهم نحو اليأس. وعليه، فإن حماية صمود المواطنين وتعزيز بقائهم على أرضهم يجب أن تكون أولوية مطلقة، لا شعارًا يُرفع.
إن اللحظة الراهنة تتطلب إجراءات جدية تنحاز بوضوح للفقراء والمهمشين، وتضع حدًا للاحتكار والجباية، وتعيد توجيه الموارد لخدمة الناس لا استنزافهم. كما تتطلب استنهاض طاقات المجتمع وتعزيز التكافل الاجتماعي، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات التجويع والتهجير.
فإما سياسات تحمي الناس وتحصّن صمودهم، وإما الانزلاق نحو واقع يفتح الأبواب أمام مزيد من الكوارث. إنها لحظة اختيار حاسمة، لا تحتمل المناورة ولا التأجيل.
1-4-2026