تلفزيون نابلس
كوكا كولا
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني
3/31/2026 8:43:00 PM

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

مقدمة

في تطور تشريعي بالغ الخطورة، يأتي إقرار قانون يجيز فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين ليشكّل منعطفًا حادًا في مسار المنظومة القانونية في إسرائيل، ليس فقط من حيث طبيعته العقابية، بل لما ينطوي عليه من انتهاكات جسيمة لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان. فالقضية تتجاوز الإطار الداخلي لتلامس جوهر النظام القانوني الدولي، وتعيد طرح تساؤلات جدية حول مدى التزام إسرائيل بتعهداتها الدولية، وحول فعالية المجتمع الدولي في حماية تلك القواعد.

أولًا: مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية – ركيزة العدالة المهددة

يُعد مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية الأشد من المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء الدوليين، ويُكرّس قاعدة جوهرية مفادها أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص سابق. وقد نصت المادة (15) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على هذا المبدأ بشكل صريح، باعتباره ضمانة أساسية لحماية الأفراد من تعسف السلطة التشريعية.

إن أي محاولة لتطبيق قانون الإعدام بأثر رجعي تمثل خرقًا جسيمًا لهذا المبدأ، وتقوّض أسس الشرعية الجنائية، فضلًا عن أنها تفتح المجال للطعن أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، التي درجت في اجتهاداتها على التأكيد على مركزية هذا المبدأ في حماية الحقوق والحريات.

ثانيًا: القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف – التزامات مُلزمة لا يجوز التنصل منها

تخضع الأراضي الفلسطينية المحتلة لأحكام اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة لعام 1949، التي تُعد المرجعية الأساسية لحماية المدنيين في زمن الاحتلال.

وتفرض هذه الاتفاقيات التزامات واضحة على دولة الاحتلال، أبرزها:

ضمان محاكمات عادلة تتوافر فيها الضمانات القضائية الكاملة.

حظر العقوبات الجماعية أو الانتقامية.

فرض قيود صارمة على استخدام عقوبة الإعدام، بحيث لا تُفرض إلا في أضيق الحدود ووفق إجراءات مشددة.

كما أن البروتوكولات الإضافية واتجاهات القانون الدولي العرفي تؤكد على ضرورة التناسب في العقوبات، وعلى حماية الأشخاص المحميين من أي إجراءات تعسفية.

إن استهداف الأسرى الفلسطينيين بعقوبة الإعدام في سياق الاحتلال يثير شبهة انتهاك هذه القواعد، ويقوّض الحماية التي أقرها القانون الدولي الإنساني للأشخاص الواقعين تحت الاحتلال.

ثالثًا: المواثيق الدولية لحقوق الإنسان – الحق في الحياة في مواجهة التشريعات العقابية

يشكّل الحق في الحياة حجر الأساس في منظومة حقوق الإنسان، وقد تم تكريسه في المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تفرض قيودًا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام.

كما دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارًا إلى وقف تنفيذ هذه العقوبة تمهيدًا لإلغائها، في ظل اتجاه دولي متزايد نحو الحد منها أو التخلص منها بالكامل.

وفي هذا السياق، فإن سنّ تشريع يوسّع من نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، ويستهدف فئة محددة، يُعد تراجعًا خطيرًا عن هذا المسار الدولي، ويثير تساؤلات حول احترام مبدأ الكرامة الإنسانية.

رابعًا: ازدواجية المعايير الدولية – أزمة في مصداقية النظام الدولي

لا يمكن قراءة هذا القانون بمعزل عن السياق السياسي الدولي، حيث يبرز مجددًا مفهوم ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان. فالدعم أو الصمت الذي قد تبديه بعض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تجاه هذا النوع من التشريعات، يتناقض مع الخطاب المعلن بشأن حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون.

إن هذه الازدواجية لا تضعف فقط مصداقية تلك الدول، بل تقوّض أيضًا ثقة الشعوب في النظام الدولي، وتُعزز الشعور بأن العدالة الدولية تُطبّق بشكل انتقائي يخضع لموازين القوة لا لمبادئ القانون.

خامسًا: المسؤولية الدولية وضرورة التحرك الأممي

في ظل خطورة هذا القانون وتداعياته، تبرز مسؤولية المجتمع الدولي، ولا سيما:

مجلس الأمن الدولي، بوصفه الجهة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين.

الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها الإطار الأوسع للتعبير عن الإرادة الدولية.

إن المطلوب اليوم ليس فقط إصدار بيانات إدانة، بل إطلاق تحرك دولي جاد يشمل:

التنديد الرسمي بهذا القانون باعتباره مخالفًا للقانون الدولي.

الضغط الدبلوماسي على إسرائيل لإلغائه.

تفعيل آليات المساءلة الدولية في حال المضي في تطبيقه.

خاتمة: دعوة لتحرك قانوني وحقوقي ودبلوماسي شامل

أمام هذا الواقع، فإننا نؤكد أن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمثل فقط انتهاكًا لمبدأ عدم رجعية القوانين، بل يشكّل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة.

وعليه، فإننا نوجّه نداءً عاجلًا إلى:

المنظمات الحقوقية الدولية،

وهيئات الأمم المتحدة،

ومنظمات حقوق الإنسان داخل إسرائيل، بما فيها بتسيلم،

للتحرك الفوري لإطلاق حملة قانونية وحقوقية ودبلوماسية واسعة، تهدف إلى:

فضح هذه الممارسات على الساحة الدولية،

الضغط من أجل إلغاء هذا القانون،

والدفاع عن الحق في الحياة باعتباره حقًا غير قابل للمساومة.

إن السكوت على مثل هذا التشريع لا يعني فقط التخلي عن الشعب الفلسطيني، بل يشكّل سابقة خطيرة تهدد النظام القانوني الدولي بأسره، وتفتح الباب أمام شرعنة سياسات القوة على حساب العدالة.

هوامش ومراجع مختارة:

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادتان 6 و15.

اتفاقيات جنيف لعام 1949، الاتفاقية الرابعة.

البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف لعام 1977.

قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن وقف تنفيذ عقوبة الإعدام.

اجتهادات المحكمة العليا الإسرائيلية في مجال الشرعية الجنائية.

تقارير بتسيلم حول أوضاع حقوق الإنسان.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة