
كتب وليد العوض:
لقد مثّل تكريم الأديب الفلسطيني الكبير محمود شقير باختياره شخصية العام الثقافية لعام 2026 من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية احتفاءً مستحقًا بتجربة إبداعية ووطنية امتدت لعقود، وكرّست نفسها لخدمة الكلمة الحرة والدفاع عن الذاكرة الفلسطينية في وجه محاولات الطمس والإلغاء. فهذا التكريم يليق بقامة أدبية كبيرة راكمت منجزًا سرديًا وثقافيًا غنيًا، وأسهمت في ترسيخ حضور الأدب الفلسطيني في الفضاء العربي والعالمي، عبر أعمالٍ سردية حملت روح المكان الفلسطيني وتفاصيل الحياة اليومية فيه، وحفظت للإنسان الفلسطيني صوته وحكايته وكرامته.
لقد شكّلت تجربة محمود شقير الأدبية نموذجًا فريدًا في الالتزام بقضايا الإنسان والوطن، حيث ظلّت الكتابة لديه فعل مقاومة ثقافية هادئة وعميقة في آنٍ معًا. فمن خلال القصة والرواية والمقالة، استطاع أن يحوّل التفاصيل الصغيرة في حياة الناس إلى نصوص نابضة بالحياة، تكشف جماليات المكان الفلسطيني وتعكس في الوقت ذاته قسوة الواقع الذي يعيشه شعبنا تحت الاحتلال.

غير أن سيرة محمود شقير لا تقتصر على عطائه الأدبي وحده، بل تمتد أيضًا إلى دوره الوطني والسياسي. فقد تعرّض للاعتقال والإبعاد عن وطنه من قبل سلطات الاحتلال، لكنه واصل حضوره الكفاحي بصمت وثبات، مؤمنًا بأن الدفاع عن الحرية والعدالة هو جزء لا يتجزأ من رسالة المثقف الذي يربط الثقافة بالسياسة بصورة خلاقة. كما كان من بين القيادات البارزة في الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب)، حيث جمع بين الالتزام الفكري والنضال الطبقي والوطني، وظلّ وفيًّا لتاريخه النضالي، ومثالًا للمثقف الذي لا ينفصل فيه الإبداع عن الموقف.
وفي قلب تجربة محمود شقير بقيت القدس حاضرة بوصفها مدينة الروح والذاكرة، ومسرح الحكايات التي لا تنتهي. لقد كتب القدس بحب عميق، وصاغ في نصوصه صورة الإنسان المقدسي وهو يتمسك بحياته وكرامته في مواجهة سياسات الإقصاء والاقتلاع. ولهذا لم تكن كتابته مجرد توثيق للمكان، بل كانت دفاعًا عن معناه الإنساني والثقافي في زمنٍ تتعرض فيه الذاكرة الفلسطينية لمحاولات التشويه والطمس.
إن تكريم محمود شقير اليوم هو تكريم للكلمة التي بقيت وفية للحقيقة، وللأدب الذي انحاز إلى الإنسان وكرامته. وهو في الوقت نفسه رسالة تقدير لكل المثقفين الفلسطينيين الذين حافظوا، عبر الكتابة والإبداع، على جذوة الوعي والهوية في أحلك الظروف.
كل المحبة والاعتزاز للأديب الكبير الرفيق العزيز محمود شقير "ابو خالد " ، مع أصدق التمنيات له بموفور الصحة ودوام العطاء. ومبارك له هذا الاستحقاق الثقافي الرفيع، ومبارك للثقافة الفلسطينية أحد أنبل أصواتها وأكثرها وفاءً للإنسان والمكان والذاكرة.
أخبار فلسطينية
أخبار فلسطينية
أخبار فلسطينية
أخبار الاقتصاد
أخبار عربية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |