
بين ضجيج احتمالات الحرب الإقليمية وتصاعد مخاطر الضمّ والتهجير في فلسطين
كتب وليد العوض:
للأسبوع الثاني على التوالي ينشغل العالم بتطورات الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تحمله من احتمالات اتساع رقعة المواجهة نحو حرب إقليمية مفتوحة. غير أنّ هذا الانشغال الدولي الكثيف يكاد يحجب مشهدًا آخر أكثر خطورة وعمقًا، يتمثل في ما تشهده الأراضي الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، من حرب صامتة تتواصل فيها عمليات العدوان وتتسارع وتيرة الاستيطان، في ظل تعطّل آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في العاشر من أكتوبر الماضي بموجب الخطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي ترامب.
ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العواصم الكبرى إلى حسابات الردع وتوازنات القوى بين تل أبيب وطهران، تتعرض الضفة الغربية لعملية استنزاف يومي ممنهجة، تتجلى في الاقتحامات المتكررة للمدن والمخيمات والاستهداف المركز لقضية اللاجئين ومحاولات تصفية وكالة الأونروا ، وتوسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وفرض وقائع ميدانية جديدة تكرس الاحتلال وتُغلق الطريق أمام أي أفق سياسي. وهذه الإجراءات ليست منفصلة عن السياق الإقليمي، بل تستفيد منه؛ إذ يشكّل انشغال العالم بالحرب الكبرى مظلةً سياسية لدولة الاحتلال لتمرير سياسات الأمر الواقع بعيدًا عن الضغط أو المساءلة.
أما في قطاع غزة، فرغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار، ورغم الحديث عن الانتقال إلى مرحلة ثانية وتشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة الشأن المدني، فإن التنفيذ الفعلي لبنود الاتفاق ما زال يراوح مكانه. فما زال احتلال أكثر من 60% من أراضي القطاع قائمًا ويتسع يومًا بعد يوم، ولم تنطلق عجلة الإعمار لما دمرته حرب الابادة الشاملة، كما يخضع إدخال المساعدات لاعتبارات أمنية وسياسية معقدة. ويعمل معبر رفح بوتيرة مقيدة وخاضعة لإجراءات الاحتلال القاسية، فيما تستمر الخروقات الميدانية وسقوط مئات الشهداء والجرحى ونسف البيوت، بما يُبقي حالة التوتر قائمة ويُفرغ الاتفاق من مضمونه العملي، بل ويحمل مخاطر العودة إلى مربع أكثر عنفًا، قد تستغل فيه دولة الاحتلال سحب الدخان المتصاعدة من الحرب مع إيران للعودة مجددًا إلى مخططات التدمير والتهجير والضم في الأراضي الفلسطينية.
من هنا يمكن القول إن الدخول الشكلي في المرحلة الثانية من الاتفاق لا يكفي ما لم يقترن بإرادة سياسية حقيقية تضمن وقفًا شاملًا للعدوان، وانسحابًا كاملًا من قطاع غزة، ورفعًا للحصار، وبدء مسار إعادة إعمار جاد يلبّي احتياجات مئات الآلاف من النازحين في الخيام ومراكز الإيواء. فقد أثبتت التجارب السابقة أن الاتفاقات غير المحصّنة بضمانات واضحة وآليات رقابة فعّالة سرعان ما تتحول إلى هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار.
إن الأخطر من ذلك أن استمرار “الحرب الصامتة” في الضفة، وتجميد تنفيذ الاستحقاقات في غزة، وبقاء لجنة التكنوقراط معلّقة في الهواء، يهدد بتكريس واقع الانقسام الجغرافي والسياسي، ويُضعف قدرة الفلسطينيين على بلورة موقف وطني موحّد في مواجهة التحديات تحت اطار منظمة التحرير الفلسطينية. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يصبح غياب استراتيجية فلسطينية جامعة أكثر كلفة، لأن الأطراف الإقليمية والدولية ستتعامل مع القضية من زاوية مصالحها وأولوياتها، لا من زاوية حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.
إن ما يجري اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تتحول احتمالات الحرب الإقليمية إلى فرصة لتصفية الحسابات على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، أم يمكن استثمار اللحظة لإعادة وضع القضية في مركز الاهتمام الدولي؟ الإجابة تتوقف أولًا على قدرة الفلسطينيين على تحصين الجبهة الداخلية، وتفعيل أدواتهم السياسية والدبلوماسية، وبناء موقف وطني موحد لمواجهة المخاطر والتحديات، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي لتداعيات صراعات الآخرين.
في المحصلة، قد تتغير خرائط النفوذ في الإقليم بفعل احتمالات الحرب الدائرة، لكن الثابت أن استمرار العدوان والاستيطان وتعطّل تنفيذ الاتفاقات في الأراضي الفلسطينية يرسّخ واقعًا بالغ الخطورة. وبين ضجيج الصواريخ في الإقليم وصمت المعاناة اليومية في الضفة وغزة، تبقى القضية الفلسطينية بحاجة إلى كسر هذا الصمت، وإعادة توجيه البوصلة نحو جوهر الصراع: إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
رمضانيات
أخبار فلسطينية
أخبار الاقتصاد
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |