
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
في ظل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية العربية حول طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه حلفائه التقليديين، ومدى تماسك منظومة الأمن الإقليمي التي تشكلت منذ عقود برعاية واشنطن. فالحرب الجارية لم تكشف فقط عن حجم المخاطر العسكرية، بل سلّطت الضوء على تحولات استراتيجية قد تعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط.
أولاً: بين أولوية أمن إسرائيل ومفهوم تقاسم الأعباء
من الثابت في العقيدة السياسية والعسكرية الأمريكية أن أمن إسرائيل يحتل موقعاً متقدماً في هرم الأولويات. ولذلك فإن أي تحرك عسكري يستدعي تعزيز منظومات الحماية الإسرائيلية ينسجم مع التزامات استراتيجية ممتدة عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء جمهورية أو ديمقراطية.
في المقابل، تتعامل واشنطن مع حلفائها العرب ضمن إطار مختلف قائم على “تقاسم الأعباء”؛ وهو مفهوم تعزز حضوره بوضوح خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث طُرحت مسألة إعادة توزيع الكلفة الدفاعية، ورفع مستوى الاعتماد الذاتي للحلفاء في حماية أمنهم القومي.
هذا التباين لا يعني بالضرورة تخلياً عن الحلفاء، لكنه يعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج “الضامن الشامل” إلى نموذج “الشراكة المشروطة”، حيث تبقى المصلحة الأمريكية العليا هي المحدد الأول لدرجة الانخراط.
ثانياً: التحول من الانخراط المباشر إلى إدارة التوازنات
الولايات المتحدة، بعد تجارب مكلفة في العراق وأفغانستان، باتت تميل إلى إدارة الصراعات عن بعد، وتقليل الانخراط البري المباشر، مع الإبقاء على أدوات الردع الجوية والبحرية والتكنولوجية. وفي هذا السياق، فإن تعزيز الدفاعات في مناطق محددة يرتبط بحسابات دقيقة تتعلق بمنع توسع الحرب، وليس بالضرورة تأمين مظلة متكاملة لكل الحلفاء في آنٍ واحد.
غير أن هذا النهج يضع الدول العربية أمام معادلة جديدة: الاعتماد على الضمانات التقليدية لم يعد كافياً بذاته، ما يستدعي تعزيز منظومات الأمن الوطني، وتطوير الشراكات الدفاعية، وتوسيع هامش القرار السيادي.
ثالثاً: البعد القانوني وحدود تحالفات الحرب
من الناحية القانونية، لا يُعدّ انخراط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية بالضرورة موجباً لتدخل تحالفات دولية كاملة. فـ حلف شمال الأطلسي يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي في حال تعرض دولة عضو لهجوم مباشر على أراضيها. وفي الحالة الراهنة، لا ينطبق هذا الشرط بصورة تلقائية، ما يجعل أي مشاركة أوروبية واسعة رهناً بقرارات وطنية مستقلة، وليس بقرار مؤسسي للحلف.
هذا المعطى يعزز فكرة أن الحرب – إن اتسعت – ستظل محكومة بتحالفات مرنة، لا بتحالفات شاملة كما في الحروب العالمية التقليدية.
رابعاً: هل نحن أمام تراجع أمريكي أم إعادة تموضع؟
الحديث عن “خسارة أمريكية للشرق الأوسط” قد يكون سابقاً لأوانه، غير أن المؤشرات تدل على إعادة تموضع استراتيجي. فالولايات المتحدة لا تنسحب، لكنها تعيد ترتيب أولوياتها في ظل تصاعد التحدي الآسيوي، خصوصاً مع تنامي الدور الدولي لـ الصين، التي تتقدم اقتصادياً في المنطقة دون أن تُظهر استعداداً لتحمل عبء أمني مباشر.
وعليه، فإن الفراغ – إن نشأ – لن يُملأ بصورة كاملة من طرف واحد، بل سيشهد تعددية في النفوذ، وتنافساً على المصالح والطاقة والممرات البحرية.
خامساً: تداعيات الحرب على النظام الإقليمي العربي
المنطقة العربية تقف أمام استحقاق استراتيجي مزدوج:
تحصين الأمن الوطني في ظل بيئة إقليمية متقلبة.
تجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة تُستنزف فيها الموارد وتتعرض فيها الجبهات الداخلية للضغط.
إن استقرار الدول العربية يشكل ركيزة أساسية في أمن الإقليم بأسره، وأي توسع في رقعة المواجهة قد ينعكس على أمن الطاقة، والملاحة الدولية، والاستقرار الاقتصادي العالمي.
خاتمة: بين اختبار التحالفات وإعادة صياغة التوازنات
الحرب الراهنة ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل محطة اختبار لمنظومة التحالفات التقليدية، ولحدود الالتزام الدولي تجاه أمن المنطقة. فهي تكشف تحولات في بنية النظام الدولي، وانتقالاً متدرجاً نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً.
غير أن المعادلة النهائية ستتوقف على قدرة الأطراف كافة على احتواء التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع شامل ستكون كلفته باهظة على الجميع.
إن القراءة الموضوعية تقتضي الابتعاد عن الأحكام الانفعالية، والنظر إلى ما يجري بوصفه إعادة رسم لقواعد الاشتباك والتحالف في الشرق الأوسط، ضمن نظام دولي يعاد تشكيله على وقع التحولات الكبرى.
أخبار عربية
أخبار فلسطينية
أخبار الاقتصاد
أخبار عربية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |