
بقلم: عزة جبر... قبل أن أقول لماذا اخترت ألا أشاهد مسلسل )صحاب الأرض( عليّ أن أقول لماذا هو عمل مهم من خلال شهادات أصدقاء عاشوا الحرب الأخيرة في غزة، ومن خلال متابعتي لمقاطع قصيرة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدا واضحًا أن العمل لم يُصنع بخفة أو استعجال.
اللهجة متقنة، التفاصيل اليومية حاضرة، الأماكن ليست ديكورًا بل ذاكرة، والأحداث ليست مبالغة درامية بل إعادة سرد لواقع يعرفه أهله جيدًا.
لا يبدو المسلسل وكأنه يحاول تمثيل الحرب، بل كأنه يحاول إنصافها سرديًا، اختيار الفنان إياد نصار لأداء الدور الرئيسي كان، في رأيي، اختيارًا ذكيًا جدًا، حضوره الهادئ، قدرته على حمل التوتر الداخلي دون افتعال، تشبه تمامًا رجالًا كُثر عرفناهم: صامتين، مثقلين، يحاولون الثبات بينما يتداعى كل شيء حولهم.
وكذلك الفنانة منة شلبي بدت الأنسب للدور، بقدرتها على الجمع بين الهشاشة والقوة، بين الأمومة والصلابة، دون خطابية زائدة.
كل ما وصلني عن العمل يؤكد أنه جاد، وأنه فنيًا وسياسيًا خطوة مهمة، وأن غضب الإعلام الإسرائيلي منه لم يكن تفصيلًا عابرًا.
حين يثير عمل فني يتحدث عن فلسطين هذا القدر من الانزعاج، فهذا يعني أنه أصاب الهدف:
أن الرواية خرجت من دائرة التهميش، وأن الصورة التي اعتدنا أن تُروى عنا بدأت تُروى بنا.
لكن رغم كل ذلك، اخترت ألا أشاهده ببساطة لأنني منذ فترة بدأت رحلة علاج نفسي لمواجهة صدمات الطفولة، لم تكن صدمات عائلية عابرة، بل صدمات احتلال بدأت مع الانتفاضة الأولى، وتراكمت عبر السنوات، ثم انفجرت مجددًا مع الحرب الأخيرة.
كنت أظن أنني قوية، لكنني اكتشفت متأخرة أن ما ظننته صلابة كان في الحقيقة تخزينًا طويل الأمد للألم، أتذكر ذلك الجندي الذي صرخ في وجه أبي عند حاجز، كان أبي سوبرمان طفولتي، يومها عاد إلى البيت صامتًا، منكسرًا على غير عادته.
ثم توالت المشاهد: منع تجول، اعتقالات، شهيد، جريح يسقط بالقرب مني، رائحة الغاز المسيل للدموع تتسلل إلى رئتي.
كبرتُ، لكن الخوف لم يكبر معي… بل استقرّ داخلي، ومع الحرب الأخيرة على غزة، لم تكن الصدمة جديدة كانت إعادة بث كاملة كأن الذاكرة فُتحت قسرًا، وعاد كل شيء دفعة واحدة.
وصلت إلى اكتئاب حاد دفعني أخيرًا لطلب المساعدة، وهناك فهمت شيئًا بسيطًا ومربكًا: النجاة اليومية لا تعني التعافي.
أنا لا استيطع مشاهدة العمل رغم اهميته لان المشاهدة ستكون إعادة تعرّض، إعادة صوت، إعادة رائحة إعادة ارتجاف.
كيف أشاهد دراما عن واقع ما زلت أعيشه؟ كيف أختار بإرادتي إعادة فتح جرح لم يلتئم بعد؟
هناك مفهوم يتحدث عنه المختصون: الصدمة لا تعيش فقط في الذاكرة، بل في الجسد.
وتشير أبحاث كثيرة إلى أن الصدمات الكبرى قد تترك أثرًا عابرًا للأجيال، ينتقل بيولوجيًا ونفسيًا.
أفكر أحيانًا أننا — نحن أبناء هذه الأرض — لا نحمل فقط ذاكرتنا، بل نحمل ذاكرة من سبقونا أيضًا.
وربما سنحتاج أكثر من جيل كامل لنبدأ فعلًا بالخروج من صدمة الحرب الأخيرة، رغم كل محاولاتنا لإقناع أنفسنا أن الأمور بخير.
ورغم قراري الشخصي بعدم المشاهدة، أرى أهمية المسلسل بوضوح، ربما هذه الأعمال لا تُصنع لنا نحن الناجين فقط، بل للعالم الذي اعتاد أن يرى أرقامًا بدل الوجوه، وللمشاهد الذي يحتاج قصة إنسانية ليُدرك أن ما يحدث ليس نزاعًا بل حق وحياة تُسحق.
ولكن المفارقة الموجعة أن أكثر من يتابع المسلسل ( كما يبدو ) هم أهل غزة أنفسهم،
ربما لا بدافع الفضول، بل بدافع التحقق: هل السردية دقيقة؟ هل الألم كما عشنا؟ هل رآنا أحد كما نحن فعلًا؟
أحيانًا لا نبحث عن عمل فني لنبكي، بل لنتأكد أن ما عشناه كان حقيقيًا… ولم يكن وهمًا فرديًا.
أرى ان العمل مهمًا، وضروريًا، وناجحًا في مهمته، لكنني أتعلم أن حماية نفسي ليست خيانة للقضية.
الفن يوثّق، والعالم يحتاج أن يرى، لكن الناجي لا يُطلب منه أن يعيد تمثيل نجاته كل مرة ليُثبت أنه تألم.
ربما سأشاهده يومًا ما، حين تصبح الذاكرة أقل اشتعالًا، وحين لا يكون المشهد إعادة صدمة بل فعل تأمل. أما الآن، فاختياري بسيط وصعب في آنٍ واحد: أن أتعافى قدر ما أستطيع.
رمضانيات
أخبار الاقتصاد
أخبار فلسطينية
مقالات وتقارير
أخبار محلية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |