من خمسينيات القرن الماضي إلى طولكرم اليوم: استراتيجية إسرائيلية متكاملة لشطب المخيم والحق والإنسان
2/5/2026 6:26:00 PM
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي تمديد عدوانها العسكري على مخيمي طولكرم ونور شمس حتى نهاية آذار/مارس، وما يرافقه من تدمير واسع وتهجير قسري وخنق اقتصادي، لا يمكن فصله عن منظومة سياسات إسرائيلية تاريخية متراكمة تستهدف المخيمات الفلسطينية والبيئة الحاضنة لها، باعتبارها العنوان الأكثر وضوحاً لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة.
فالمخيم، في العقيدة الإسرائيلية، ليس تجمعاً سكنياً هامشياً، بل ذاكرة سياسية حيّة وشاهد قانوني دائم على جريمة التهجير عام 1948. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً مع مخطط دافيد بن غوريون عام 1956، تبلورت رؤية تقوم على منع عودة اللاجئين، والعمل على تفكيك المخيمات أو تفريغها من مضمونها الوطني، باعتبارها “قنبلة مؤجلة” تهدد استقرار المشروع الصهيوني.
بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، خضعت المخيمات لنظام الحكم العسكري، وحُرمت من التطور العمراني الطبيعي، وبقيت مناطق معزولة أمنياً ومهمّشة خدمياً. ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، فشلت سياسات الاحتواء، وتحولت المخيمات إلى مراكز فاعلة في الفعل الوطني، ما رسخ القناعة الإسرائيلية بأن المخيم لا يمكن تدجينه، بل يجب كسره أو اقتلاعه.
اتفاق أوسلو لم يُنهِ هذه السياسة، بل أجّل تنفيذها. فملف اللاجئين رُحِّل إلى ما سُمّي “الحل النهائي”، والمخيمات بقيت خارج أي تسوية حقيقية. ومع انتفاضة الأقصى عام 2000، انتقلت إسرائيل إلى مرحلة الاجتياحات الواسعة، وكان تدمير مخيم جنين عام 2002 محطة مفصلية كرّست عقيدة التدمير داخل المخيمات كخيار مشروع في المنظور العسكري الإسرائيلي.
اليوم، يتجسد هذا المسار بوضوح في العدوان المتواصل على مخيمات شمال الضفة، حيث بات المخيم ذاته هو الهدف. غير أن العدوان لا يقتصر على القوة العسكرية، بل يتكامل مع سياسة خنق اقتصادي ممنهجة تطال محافظة طولكرم بأكملها.
فالمحافظة تتعرض لحصار فعلي عبر تكثيف الحواجز العسكرية، وإغلاق المداخل، وتعطيل حركة الأفراد والبضائع، ما أدى إلى شلل اقتصادي واسع، وتراجع حاد في القطاعات التجارية والزراعية والخدمية. ويوازي ذلك مصادرة متواصلة للأراضي الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني، وقطع التواصل الجغرافي بين القرى والمدينة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تحظر الاستيطان وتعتبره غير شرعي.
هذا الخنق الاقتصادي ليس عرضاً جانبياً، بل أداة مقصودة لإنتاج الفوضى المنظمة، عبر دفع المجتمع نحو الانهاك، وتفكيك البنى الاجتماعية، وخلق بيئة قابلة للانفجار أو الهجرة القسرية، بما يخدم مخطط إعادة هندسة الوجود الفلسطيني أرضاً وإنساناً.
وفي السياق ذاته، يندرج استهداف وكالة الأونروا، وتقييد عملها في المخيمات، وفرض الشروط الإسرائيلية عليها ضمن المخطط الاستراتيجي نفسه. فالأونروا تمثل شاهداً قانونياً دولياً على قضية اللاجئين، واستهدافها يهدف إلى نزع الصفة القانونية عن اللاجئ، وتحويله من صاحب حق إلى حالة إنسانية تبحث عن الإغاثة لا العدالة.
إن التهجير القسري، والتدمير الواسع، والحصار الاقتصادي، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، كلها تشكل، وفق القانون الدولي الإنساني، انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، لا تسقط بالتقادم. غير أن إسرائيل تواصل هذه السياسات مستندة إلى غياب المساءلة الدولية، والاكتفاء ببيانات القلق دون إجراءات رادعة.
ما يجري في طولكرم ومخيميها ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في مشروع طويل الأمد يستهدف شطب المخيم كفكرة، واللاجئ كصاحب حق، والقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني. ومع ذلك، تؤكد التجربة التاريخية أن الحقوق التي صمدت لعقود لا تسقط بالقوة ولا بالحصار، وأن المخيم سيبقى في قلب الصراع، لا على هامشه.