تلفزيون نابلس
كوكا كولا
الانتخابات البلدية: تجاذبات وخلافات وانقسام… واستحقاق وطني ينتظر الحسم
1/11/2026 11:18:00 AM

بقلم المحامي علي أبـو حبلة

تشكّل الانتخابات البلدية والمجالس المحلية استحقاقاً دستورياً وقانونياً وفق أحكام القانون الأساسي الفلسطيني وقانون الحكم المحلي، باعتبارها مؤسسة خدماتية وتنموية تُعنى بتنظيم الحياة المدنية للمواطنين، وتقديم خدمات البنية التحتية، والتخطيط العمراني، وإدارة الموارد المحلية وفق معايير الكفاءة والمساءلة والشفافية. ومن المفترض أن يتقدّم لخوض هذا الاستحقاق من يمتلك القدرة والجدارة المهنية لخدمة المواطنين، بعيداً عن المصالح الشخصية والاعتبارات الفئوية أو العائلية أو الفصائلية.

غير أنّ الواقع الراهن يكشف عن مشهد انتخابي معقّد تتداخل فيه الخلافات الداخلية بين العائلات والفصائل والتنظيم الواحد، ما يهدّد بتحويل استحقاق خدماتي-تنموي إلى مساحة تجاذب سياسي وانقسام اجتماعي. ويزداد الأمر تعقيداً في ظل الأزمة المالية والإدارية التي تعيشها معظم البلديات، ومظاهر البطالة المقنّعة، والتراجع في القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، وغياب الخطط التنموية القابلة للتنفيذ، إضافة إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم المحلي.

تأتي هذه الانتخابات في سياق سياسي ووطني حساس، يتسم باستمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وباستمرار حالة الإقصاء المتبادل بين السلطتين، ما يجعل من إجراء الانتخابات البلدية في الضفة دون مشاركة غزة أمراً قد يحمل مخاطر حقيقية في تكريس الانقسام إذا ما تلاه استحقاق تشريعي أو رئاسي غير توافقي. ومن هنا يصبح الاستحقاق المحلي مرتبطاً عضوياً بسياق وطني أشمل لا يمكن تجاهله.

وتشير التجربة السابقة إلى جملة من الإشكاليات التي يجب معالجتها قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، أبرزها ضعف آليات الاختيار داخل الأطر التنظيمية وعدم اعتماد معايير موضوعية في فرز المرشحين، مقابل بروز ظاهرة “التسلق الانتخابي” على حساب الكفاءة والخبرة. وقد أسهم ذلك في حالات عديدة في إضعاف أداء البلديات وتراجع مستوى الخدمات، بينما شهدنا في المقابل نجاحات واضحة لمرشحين مستقلين تمكنوا من تحقيق إنجازات تنموية وبنى تحتية مستدامة في مدنهم وبلداتهم، وهو ما يؤكد أهمية الكفاءة على الانتماء الفصائلي أو العائلي.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن التصارع العائلي والانقسام على مستوى البلدة أو القرية يحمل انعكاسات خطيرة على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، ويهدّد بتحويل الخلافات المؤقتة إلى شروخ دائمة داخل المجتمع المحلي، بما يستدعي الترفّع عن الاعتبارات الضيقة، واعتماد معايير مهنية وموضوعية في تشكيل القوائم والاختيار.

إنّ الانتخابات البلدية، وفق فلسفة الحكم المحلي في الأنظمة الديمقراطية، لم تعد مجرد جهة ترخيص وجباية، بل باتت مؤسسة تنموية-اجتماعية تُعنى بتقديم الرعاية للفئات المحتاجة، وتحفيز الاقتصاد المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة، وتعزيز مفاهيم العدالة والمساواة وعدم التمييز في تقديم الخدمات، إلى جانب الالتزام بقواعد الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون والمساءلة أمام الجمهور.

ولتحقيق ذلك، تصبح الحاجة ملحّة إلى تشكيل لجان استشارية في كل دائرة انتخابية تضم أصحاب رأي وخبرة وكفاءة، لضمان حسن الاختيار، وتقديم توصيات تساعد في بناء قوائم قوية وفاعلة، وتساهم في تمكين البلديات من لعب دورها الحقيقي. فالوقت يداهم الجميع، ولا مجال لإعادة إنتاج أخطاء الماضي أو تكريس ممارسات أضرت بالمصلحة العامة.

كما لا يمكن فصل الاستحقاق البلدي عن علاقات فلسطين العربية والإقليمية، إذ إن وجود شخصيات تمتلك شبكة علاقات مؤسسية يمكن أن يسهم في استقطاب التمويل والمشاريع التنموية وإعادة البناء وتعزيز البنية التحتية، وهو ما تحتاجه البلديات للخروج من حالة الترهل الإداري والتعثر المالي التي تعيشها منذ سنوات.

إنّ السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أين تتجه الانتخابات البلدية؟ وهل ستُستثمر كفرصة لإحياء جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم المحلي وتعزيز الوحدة المجتمعية، أم ستتحوّل إلى مجال لصراعات داخلية ومصالح ضيقة تزيد من حالة الانقسام السياسي والاجتماعي؟

الجواب يتوقف على قدرة جميع الأطراف — فصائل وتنظيمات وعائلات ومستقلين ومجتمع مدني — على تغليب المصلحة الوطنية العليا، وتحكيم العقل والمنطق، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة، بوصفها الأساس الوحيد القادر على تمكين البلديات واستعادة دورها في خدمة المواطنين وتعزيز قدرة  المجتمع الفلسطيني على الثبات والصمود.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة