
هُناكَ مَن يُريد سَلْبَ الفِلِسطيني مُخَيِّلَتَه
كتبت عزة جبر
نَعيش اليوم مرحَلَة استثنائية في التاريخ الفلسطيني، مرحلة تتجاوز قَسوَتُها ما عرفناه سابقًا، حتى بات من الصعب مقارنتُها بمحطات الأَلم السابقة. لم نَسمع عنها في كتب التاريخ، ولم نتخيّل يومًا أننا سنكون شهودًا مباشرين عليها. في البيوت، وفي النقاشات العامّة، وعلى المَنابر الإعلامية، يتكرّر سؤالٌ واحد بإلحاح: ماذا بعد؟ سؤالٌ يبدو بسيطًا في صياغته، لكنّه ثقيل في مَعناه، محمّل بالخوف على مستقبَل هذه الأرض الصغيرة، التي لطالما دَفَعت ثمن موقعها في قلب عالمٍ لا يتّسع لعدالتها.
في مقابل هذا السؤال، يبرز خطابٌ متشائم يَرى أن القادم لا يحمل إلا مزيدًا من الخراب، وأن الأُفق مغلَق بالكامل. حتى أصبَحَ الحديث عن مستقبل مُعتِم وكأنه حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. لا تكمُن خطورة هذا الخطاب فقط في تشاؤُمه، بل في محاولته سَلب الفلسطيني حقّه في تخيّل مستقبَل مختلف. فحين يُصادر الخيال، يُصادر مَعَه أَحَد أهمّ أدوات الصمود. الأمل، في الحالة الفلسطينية، ليس ترفًا فكريًا ولا ملاذًا عاطفيًا، بل ضرورة وجودية تُمكّن الناس من الاستمرار.
عند استحضار تَجارب الشعوب التي مرّت بحروب كبرى، تبدو صوَر الدمار وكأنّها إعلان عن نهاية العالم. مدنٌ مدمّرة، ملايين الضحايا، واقتصادات منهارة. مع ذلك، لم يكن ذلك نهاية التاريخ، بل إحدى محطّاته الأكثر ظلمة. هذا الإدراك لا يهوّن من حجم المأساة التي نعيشها، لكنه يذكّرنا بأنّ ما يبدو دائمًا في لحظة الألم ليس كذلك بالضرورة. التاريخُ لا يسير بخط مستقيم، وما نراه اليوم كجدارٍ مسدود قد يتحوّل، مع الزمن، إلى معبرٍ غير متوقّع. الأمل الفلسطيني لا يولد من إنكار الواقع، بل من مواجهته اليومية. هو أَمَل عنيد، متجذّر في التفاصيل الصغيرة التي تمرّ غالبًا دون انتباه. أمّ تُعدّ الفطور لأطفالها رغم أصوات الخوف، معلّمة تفتح صفّها وكأنّ المعرفة ما زالت تملك مَعنى، طالب يواصل دراسته لأنّه يرفض أن يكون الحاضر نهاية القصّة، طفل يصنَع لعبته من الركام، وكأنّه يعلن دون كلمات، أن الحياة أَقوى من الخَراب. ليست هذه المَشاهد استثناءات عاطفية، بل مَلامِح أساسية من هويّة شعب قرّر منذ وقت طويل أن يبقى.
هل الأمَل شَكل من أشكال الإنكار؟ هذا السؤال يتردّد كثيرًا، وغالبًا ما يُستخدَم لتبرير اليأس. لكن الأمل، في جوهره، ليس إنكارًا للمأساة، بل اعترافًا كاملًا بها، يتبعه قرار واعِ بعدم الاستسلام. هو أَن تَرى حجم الخسارة، وأن تَشعر بثقل الفقد، ثم تختار، رغم ذلك، أن تواصل السير. الأَمَل هنا ليس وعدًا بانتصار قريب، بل موقفًا أخلاقيًا يرفض أن تكون الكلمة الأخيرة للعنف. وعند الاقتراب من سؤال الحلّ، تتكشّف حقيقة أكثر تعقيدًا. لا حلولَ سحريّة، ولا نهايات سريعة، ولا وصفات جاهزة تُنهي الصراع بين ليلة وضحاها. نحن أَمامَ مَسار طويل، متداخِل، ومؤلم في كثير من مَراحله. لكنّ غياب الحلّ الشامل لا يعني غياب أيّ أُفق، فالتاريخ يخبرنا أن تحرّر الشعوب لا يأتي دفعة واحدة، بل عبر تَراكمات بطيئة من الصّمود، والوعي، وإعادة بناء الذات الجماعية. ربما يبدأ أَحَد مداخل الحلّ بإعادة تعريف الأولويات الوطنية؛ حماية الإنسان الفلسطيني يجب أن تكون في الصدارة، ليس بوصفها شعارًا إنسانيًا فحسب، بل كقاعدة لأيّ مشروع مستقبلي. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية ترميم النسيج الاجتماعي الذي أنهكَته سنوات طويلة من العُنف والانقسام، والاستثمار الجادّ في التعليم والثقافة، باعتبارهما فِعل مقاومة طويل النّفس، يَحمي الذاكرة ويصنع الوعي. كما تبرز الحاجة إلى خطاب سياسي وأخلاقي قادر على مخاطبة العالَم بلغة العدالة والحقّ، دون التّفريط بالبوصلة الوطنية أو الوقوع في فخ التبسيط.
في هذا السياق، يَكتسب سؤال "ماذا لو؟" دلالته الأعمق. ماذا لو سمحنا لأنفسنا بتخيّل مستقبل مختلف؟ ليس مستقبلًا مثاليًا، بل ممكنًا وقابلًا للتحقّق. ماذا لو كبر أطفالنا وهم يعرفون مدنهم بوصفها أماكن للحياة، لا مجرّد عناوين للكارثة؟ ماذا لو عاد السؤال الفلسطيني إلى جوهَره كقضيّة عدالة إنسانية مستمرة، لا حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار؟ التخيّل هنا ليس هروبًا من الواقع، بل تمرينًا على استعادته. فكلّ تغيير كبير في التاريخ بدأ يومًا بسؤال صغير، وبقدرة على تخيّل ما لم يكن قائمًا بعد. نحن لا نَملك تَرَف اليقين، لكنّنا نملك حقّ المحاولة. لا نعرف شَكل َالغد، لكنّنا نعرِف أننا جزء من مَسار أطول من لحظتنا الراهنة. في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيكون المستقبَل أفضل؟ بل: كيف نُصرّ على أن يكون لنا دَور في صناعته؟ هذا الإصرار، بكلّ ما يحمله من وَعي ومسؤولية، ليس مجرّد موقف نفسي، بل بداية طريق طويل، وطريقة أخرى لقول إنّنا ما زلنا هُنا.
المصدر: سين48
أخبار فلسطينية
أخبار اسرائيلية
أخبار الاقتصاد
أخبار اسرائيلية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |