
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يفترض في الانتخابات البلدية والقروية أن تكون مدخلًا حقيقيًا لإصلاح واقع الهيئات المحلية، لا مناسبة لإعادة إنتاج الأزمات ذاتها تحت عناوين جديدة. فالبلديات ليست ساحات صراع سياسي، ولا منصات لتكريس النفوذ العائلي أو العشائري، بل مؤسسات خدمية وتنموية يُقاس نجاحها بقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين وتحسين جودة حياتهم.
إن أخطر ما يهدد نزاهة العمل البلدي هو تحويل عملية اختيار القوائم الانتخابية إلى محاصصة تقوم على الولاءات الشخصية، أو التحالفات العائلية والعشائرية، أو التعصب التنظيمي والفصائلي، بدل أن تُبنى على معيار الكفاءة والخبرة والنزاهة. هذه الممارسات، وإن لبست أحيانًا عباءة “التوافق الاجتماعي”، إلا أنها في جوهرها تقوض مبدأ تكافؤ الفرص، وتغيب الاعتبار المهني، وتفرغ المجالس المحلية من مضمونها الوظيفي.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن تغليب منطق العائلة أو الفصيل في إدارة البلديات أدى في كثير من الحالات إلى ضعف الأداء، وتراجع مستوى الخدمات، واستشراء المحسوبية، وغياب التخطيط السليم، ما أدخل عددًا من البلديات في أزمات مالية وإدارية خانقة، وعمّق الفجوة بين المواطن والمؤسسة المحلية.
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات اقتصادية وضغوط سياسية واستهداف ممنهج للبنية المجتمعية الفلسطينية، تتطلب مجالس بلدية وقروية مهنية، يقودها أشخاص مستقلون من أصحاب الخبرات والتخصصات، من التكنوقراط القادرين على إدارة الموارد المحدودة بكفاءة، وبناء شراكات تنموية، ووضع خطط واقعية قابلة للتنفيذ بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
كما أن تحييد البلديات عن التجاذبات السياسية والفصائلية ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية، لأن تسييس العمل البلدي يُفقده دوره الطبيعي، ويحوّله إلى عبء على المواطن بدل أن يكون سندًا له. فالمواطن لا ينتخب مجلسًا محليًا ليعبّر عن انتمائه الحزبي أو العائلي، بل ليحصل على خدمة لائقة، وإدارة نزيهة، وتنمية عادلة.
إن إنقاذ البلديات من حالة التدهور والانهيار يبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم “الخدمة العامة”، وباختيار كفاءات تؤمن بأن الموقع البلدي مسؤولية وطنية وأخلاقية، لا غنيمة انتخابية، وأن النجاح الحقيقي لأي مجلس محلي يقاس بمدى قدرته على خدمة جميع المواطنين دون تمييز أو إقصاء.
فبما مجالس بلدية مهنية، مستقلة، وخاضعة للمساءلة والرقابة، يمكن استعادة ثقة الناس، وتعزيز صمود المجتمع المحلي، وبناء نموذج إداري نزيه يشكل ركيزة أساسية في مواجهة التحديات، وترسيخ أسس الحكم المحلي الرشيد.
ونختم بجملة توصيات عملية لإعادة الاعتبار للعمل البلدي
خاصة وأن إصلاح واقع المجالس البلدية والقروية لا يتحقق بالشعارات ولا بالمجاملات الاجتماعية والتنظيمية، بل بإرادة سياسية ومجتمعية جادة تترجم إلى إجراءات عملية واضحة. وفي هذا السياق، يمكن إجمال أبرز التوصيات الإصلاحية على النحو التالي:
أولًا: اعتماد معايير كفاءة مكتوبة وملزمة لاختيار المرشحين لعضوية المجالس البلدية والقروية، تستند إلى المؤهل العلمي، والخبرة العملية، والسجل المهني والأخلاقي، بعيدًا عن أي اعتبارات عائلية أو فصائلية.
ثانيًا: تشجيع القوائم المستقلة والتكنوقراطية، وتوفير بيئة انتخابية عادلة تضمن تكافؤ الفرص، بما يسمح لأصحاب الخبرات والكفاءات بالمشاركة الفاعلة دون ضغوط سياسية أو اجتماعية.
ثالثًا: تحصين البلديات من التسييس عبر ميثاق شرف انتخابي يلتزم بعدم استغلال المنصب البلدي لأغراض حزبية أو فئوية، ويؤكد أن العمل البلدي خدمة عامة لا أداة صراع سياسي.
رابعًا: تفعيل آليات الرقابة والمساءلة من خلال المجالس المحلية، ودور ديوان الرقابة، والمجتمع المدني، والإعلام المهني، بما يعزز الشفافية ويحد من المحسوبية وسوء الإدارة.
خامسًا: إلزام المجالس المنتخبة بإعداد خطط تنموية محلية قابلة للتنفيذ، مرتبطة بجداول زمنية ومؤشرات أداء واضحة، وتقديم تقارير دورية للمواطنين حول الإنجاز والتحديات.
سادسًا: الاستثمار في بناء القدرات والتدريب المستمر لأعضاء المجالس البلدية وموظفيها، في مجالات الإدارة المالية، والحكم المحلي، والتخطيط الحضري، وإدارة الأزمات.
إن الأخذ بهذه التوصيات يشكل خطوة أساسية نحو استعادة الدور الحقيقي للبلديات كمؤسسات خدمية وتنموية، ويعيد الثقة بين المواطن والمجلس المحلي، ويضع أسسًا صلبة لحكم محلي رشيد قادر على الصمود في وجه التحديات السياسية والاقتصادية، وخدمة المجتمع بعدالة وكفاءة
أخبار فلسطينية
أخبار محلية
أخبار فلسطينية
أخبار فلسطينية
أخبار محلية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |