مروان البرغوثي الغائب عن خبايا ودهاليز السياسة الفلسطينية !!
10/8/2026 7:21:00 PM

 مروان البرغوثي الغائب عن خبايا ودهاليز السياسة الفلسطينية !!  

بقلم: أحمد صيام

لا أدري مدى دقة وصحة ما نُسب مؤخرا من حديث جانبي خلال مداولات تنظيمية ، الى ياسر عباس ( ابو عمار) عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، في مدينة رام الله والذي تناقلته بعض وسائل التواصل الاجتماعي ، حول القائد الاسير مروان البرغوثي المُعتقل في سجون الاحتلال الاسرائيلي منذ 2002 ، وصدر بحقه احكام جائرة بعدة مؤبدات لقيادته ودوره الفاعل في العمل الوطني ، حيث قال : " مع احترامي الشديد للأخ مروان البرغوثي الذي غُيب في الأسر لأكثر من عشرين عاما ، فإنه بحكم الأسر قد فاته الكثير من خبايا ودهاليز السياسة الفلسطينية ، كما أن فتح تغيرت وتطورت سياسيا في ظل غيابه ، وهو بحكم الواقع لا يصلح لقيادة فتح في أي انتخابات قادمة " .

مع انني اتمنى صادقا ان يكون تصريح عباس الابن مزورا ولا اساس له من الصحة ، لانه لا يجوز ان يصدر تصريح كهذا عن عضو في مركزية فتح يستهدف زميل ومناضل ، وفي الوقت نفسه لا يجوز السكوت عنه ، الا انني اتفق تماما مع ما نُسب اليه ، فحركة فتح ، شانها شان سائر غالبية فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية ، تغيرت كثيرا ، وانتقلت من الخنادق الى الفنادق ، ومن مرحلة التحدي والكفاح والنضال والمواجهة والصلابة ، إلى مرحلة الترف والرفاهية ، والتمسك بالامتيازات الشخصية والبحث عن البذخ والنعيم ، على حساب المصالح الوطنية ، وهو ما لم يعتد عليه البرغوثي الذي لم يُشاهد يوما مُرتديا البدلات الفارهة وربطات العنق الانيقة ، انما " الجينز" والقمصان " المجعلقة " ، وهو الذي عُرف في ميادين الوغى ، جنبا الى جنب والمُقاومين من ابناء حركته وشعبه ، وهو الذي لم يهبط على ابناء شعبة " بالبراشوت " ، ولم يُمض حياته في الفنادق وانغام موسيقى الحب والغرام والعشق ، انما امضى معظم سني حياته في المغاير والخنادق ، لا يخترق اذنيه سوى ازيز الرصاص واصوات القنابل والمتفجرات ، قائدا للعمل المُقاوم لكل اشكال الاحتلال ، راعيا لأطفال الحجارة والار بي جي ، مُدافعا عن المبادئ الثورية التي نشأ عليها وترعرع في مضامينها ، رافضا شتى انواع الملذات والمكاسب الشخصية والرفاهية ، التي من المُمكن ان تقلب حياته راسا على عقب ، فيما لو انحرف عن مبادئه ، بل آثر الزهد في النضال ، وفي الوقت الذي كان فيه داعيا الى تحرير الارض والانسان الفلسطيني من براثن الاحتلال ، كان يدعو الى السلام والتعايش المُشترك مع إحقاق الحقوق الوطنية المشروعة لأبناء شعبه وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

تصريح عباس الابن – ان صح – لا يمكن تفسيره الا في اطار الصراع على السلطة ومرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس ، فمروان البرغوثي اكد في اكثر من مناسبة ومن خلف القضبان عن رغبته في رغبته بالترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية ، ويرى نفسه البديل الانسب والاكثر قبولا للشارع لقيادة المرحلة القادمة ، واظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن البرغوثي ، الذي ينتقد مرارا من داخل سجنه تآكل شرعية النظام السياسي الفلسطيني ، ويدعو إلى إصلاح المؤسسات وتوحيد الأجهزة الأمنية والمدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، بالإضافة إلى مطالباته بوقف التنسيق الأمني ، يتصدر نسب التأثير والشعبية للرئاسة متفوقاً على العديد من القيادات التقليدية .

والسؤال الذي يطرح نفسه، ويدور في اطار ما نُسب من تصريحات الى عباس الابن - ان صحت - ورغبة البرغوثي في ترؤس حركة فتح والسلطة الفلسطينية : هل سيستطيع البرغوثي بعقليته التنظيمية الثورية ، ان يتأقلم والتغيرات والتطورات التي طرأت على حركة فتح ، ودهاليز السياسة المُستجدة ، والانقسامات التي تعصف بالحركة ، والواقع المأساوي الذي تعيشه ، وسائر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، والصراع المُحتدم بين القيادات الفتحاوية على السلطة ، بعد غياب قسري ، اسيرا خلف قضبان الاحتلال لأكثر من 24 سنة ؟

من دون شك ان حركة فتح والحركة الوطنية الفلسطينية على وجه العموم ، تطورت وتغيرت ، ويعيبُ عليها مُراقبين ومن كوادرها وعناصرها ، ان تطورها كان للأسوأ ، حيث تُتهم بالتراجع عن المشروع التحرري والتخلي عن خيار الكفاح المسلح لصالح الامتيازات السياسية والمناصب ، وبروز طبقة قيادية ارتبطت بمظاهر الرفاهية والوظائف الحكومية ، والابتعاد عن الواقع الصعب الذي يعيشه الشارع الفلسطيني تحت الاحتلال ، وانتقلت من النضال والمقاومة إلى ما اشبه بالانبطاح السياسي والتنسيق الأمني والتبعية ، حتى أصبح بعض أركانها أقرب إلى خدمة مصالح الاحتلال من خدمة القضية الفلسطينية ، حركة فتح التي كانت يوما ما عنوانا للنضال والثورة ، تحتاج اليوم إلى مراجعة حقيقية لمسارها ومواقفها ، والعودة إلى جوهر القضية وحفظ كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية ، بعيدا عن التبعية والمصالح الضيقة ، ويرى الكثيرون ان اي عودة قوية لحركة فتح الى طليعتها القيادية تعني الحفاظ على الهوية الوطنية وحماية الشعب الفلسطيني عبر شتى الادوات ، ومنها القانون الدولي والدبلوماسية والمقاومة الشعبية وفق التغيرات في الموازين الإقليمية والدولية ، دون التخلي عن المبادئ والفكرة التي نشأت عليها الحركة ، الى حين التحرر وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . وهنا يتبادر الى الاذهان سؤال: هل هناك من القيادات الفتحاوية وقيادات الحركة الوطنية والسلطة ومقبولة لدى الشارع، قادرة على جمع شمل الشعب الفلسطيني وتوحيد صفوفه وتأطيره من جديد نحو الاهداف والاحلام التي يصبو اليها؟

وسط حساسية المشهد الفلسطيني يعود اسم مروان البرغوثي الى تصدر المشهد وما يتمتع به من رمزية من شتى اطياف اللون الفلسطيني ، تتيح له الفرصة لتوحيد الكلمة الفلسطينية ، صحيح ان البرغوثي وفق ما نُسب الى عباس الابن – ان صح – غائب مدة طويلة عن دهاليز السياسة ، لكن التصريح – ان صح - اغفل ان البرغوثي الذي ينتمي الى الحقبة العرفاتية بكل مضامينها ، والذي ما زال الفلسطينيون يتغنون بأمجاده ويعيشون على إرثه ، ويُطلق عليه مانديلا فلسطين ، بما يملكه من كاريزما وطنية جامعة وتاريخ مُشرف امضى معظمه في الخنادق ، وجزءا كبيرا منه خلف قضبان الاحتلال ، قادر على الجمع بين الخنادق والفنادق ، ولكن ليس بالمفهوم السائد حاليا لرواد الفنادق ، انما بما يتعاطى وموزاين القوى الاقليمية والعربية والدولية ، دون الانحراف عن الحقوق الوطنية المشروعة لأبناء الشعب الفلسطيني ، فقد بات البرغوثي الامل الكبير في استعادة روح الشعب الفلسطيني النضالية ، وبث هذه الروح من جديد في الحركة الوطنية الفلسطينية وخاصة حركة فتح ، واستعادة دورها الكفاحي ومكانتها فلسطينيا وعربيا ودوليا ، كونه يشكل الحالة الوطنية الوحيدة في الساحة الفلسطينية ، والقادر على إعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة ، وإعادة التأسيس لكيان وطني جامع على اسس ديموقراطية وطنية ، وباستطاعته بما يمتلكه من رصيد شعبي كبير في شتى ارجاء الوطن ، توحيد شطري الوطن وأنهاء الانقسام المُدمر، فهو الانسب لأحداث انتفاضة اخلاقية وسياسية ونضالية في المجتمع الفلسطيني ، وهو ما بات يخشاه المنتفعين من استمرار الوضع الراهن الذي يدك الحركة الوطنية الفلسطينية ويعصف بها باتجاهات عكس التيار الوطني ، ويتلاقى واستهداف الاحتلال واجهزته المُتعمد للأسير مروان البرغوثي .


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة