من انتخابات 1976 إلى انتخابات اليوم
10/8/2026 6:33:00 PM

 

بقلم المهندس: غازي سليم كعكاني - كان والدي الحاج سليم كعكاني رحمه الله يحدثنا عن تاريخ بلدية نابلس ويروي تاريخها كما كانت الجدات تروي لأحفادها القصص بأسماء رجالها وتفاصيل أحداثها وتواريخها وكأنه كان يعيشها من جديد أمامنا.

وكنت أتمنى دائمًا أن يورثني، ولو ربع ما اختزنته ذاكرته من تفاصيل.

ومن الذكريات التي لا تُنسى انتخابات عام 1976 ليس فقط لما حملته من دلالات وطنية وما أفرزته من قيادات فلسطينية شابة ومثقفة حفرت أسماءها في الذاكرة، وإنما أيضًا لما تركته تلك المرحلة من شعور بالخطر داخل بيتنا.

فقد حمل المرحوم بسام الشكعة والدي أمانة إيصال بيان رؤساء البلديات إلى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في عمّان، بعد اجتماع عُقد في حديقة مكتبة بلدية نابلس.

كانت المهمة محفوفة بالمخاطر وكانت الخطة أن يسافر والدي أولًا على أن يلحق به جدي رحمه الله في اليوم التالي، حاملًا البيان بطريقة لا تثير الشبهات.

وكان جدي شديد الحرص كما روى لنا والدي. فقد لف البيان بالبلاستيك ووضعه داخل قرص من الجبنة كان قد فرّغه من الوسط، ثم أعاد إغلاقه ووضع قرص الجبنة في وسط تنكة الجبنة.

وكان والدي يروي لنا وهو يضحك كيف اضطروا في فندق في جبل اللويبدة القريب من مكتب المنظمة إلى شراء وعاء كبير لتفريغ تنكة الجبنة والبحث عن قرص البيان.

قد تبدو القصة اليوم طريفة في تفاصيلها، لكنها في ذلك الوقت لم تكن كذلك أبدًا.

كانت تلك التفاصيل الصغيرة تعكس حجم الخوف والحذر الذي كان يحيط بأي تحرك وطني وحجم المسؤولية التي كان يشعر بها أولئك الرجال تجاه الأمانة التي يحملونها.

انتخابات عام 1976

فرض الحاكم العسكري إجراء إنتخابات بلدية عام 1976 ليس حبا فينا ولكن كانت إسرائيل تأمل خلق قيادات داخلية تكون بديلة لمنظمة التحرير

وكانت إسرائيل تنظر إلى الانتخابات البلدية باعتبارها وسيلة للتعامل مع قيادات محلية، في وقت كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية قد أصبحت الإطار السياسي الجامع لمعظم القوى الفلسطينية.

لكن نتائج الانتخابات جاءت مختلفة عما كان مأمولًا إسرائيليا فقد صعدت شخصيات وقيادات وطنية شابة ومثقفة وأصبحت أسماءها جزءًا من الذاكرة الفلسطينية.

في نابلس فاز المرحوم بسام الشكعة برئاسة البلدية والشهيد ظافر المصري نائبًا لرئيس البلدية. وفي طولكرم فاز المرحوم حلمي حنون، وفي رام الله كريم خلف، وفي البيرة عبد الجواد حمايل، وفي الخليل الشهيد فهد القواسمي وفي بيت لحم إلياس فريج، إلى جانب أسماء وطنية أخرى.

لم تكن أهمية تلك الانتخابات في أسماء الفائزين وحدها وإنما في الرسالة التي حملتها النتائج أن الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يكونوا مستعدين لأن تُصنع لهم قيادة بديلة عن مشروعهم الوطني.

وأصبحت تلك المجالس في ظل الاحتلال ساحات للدفاع عن الهوية الوطنية وتعزيز صمود المواطنين ورفض تطبيع العلاقة مع الاحتلال والتأكيد على أن للفلسطينيين مشروعًا وطنيًا يتجاوز حدود البلديات.

وهكذا تحولت انتخابات 1976 إلى واحدة من المحطات المهمة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة.

وما أشبه اليوم بالأمس...

وما أشبه بعض الظروف المحيطة بالحديث عن انتخابات المجلس التشريعي بالظروف التي أحاطت بانتخابات عام 1976.

لا أقصد أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا فلكل مرحلة ظروفها وتعقيداتها ولا يجوز إسقاط تجربة على أخرى دون تمييز.

لكن التاريخ يعلمنا أن الانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع، وأن السؤال الأهم ليس فقط: من سينجح؟ بل أيضًا أي مشروع وطني نريد أن تنتج هذه الانتخابات؟

نحن بحاجة إلى ممارسة حقنا في انتخاب من يمثلنا، فالانتخابات استحقاق ديمقراطي وتجديد المؤسسات والشرعيات أمر لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.

لكن في المقابل، لا يمكن أن نتجاهل أن الانتخابات أصبحت أيضًا مطلبًا دوليًا مرتبطًا باستمرار الدعم والتمويل، وأن الجهات المانحة تضع شروطًا مختلفة على السلطة والمؤسسات الفلسطينية وغيرها من شروط تغيير المنهاج وسيداو وجميعها تندرج تحت المثل القائل (( اللي بده ياكل لقمتي بده يسمع كلمتي)) او بمعنى ادق أنك ستضطر للسير في نفس الإتجاه الذي يسير فيه من تضع يدك في جيبه.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل نريد انتخابات هدفها الحقيقي تجديد الحياة السياسية الفلسطينية، وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته، وإنتاج قيادة قادرة على حماية مصالح شعبها أم أننا قد نجد أنفسنا أمام انتخابات تُستغل لإنتاج قيادات محلية جديدة يجري التعامل معها باعتبارها بديلًا عن المشروع الوطني الجامع؟

طبعا هذا السؤال ليس اتهامًا لأحد وإنما سؤال مشروع ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نذهب إلى صناديق الاقتراع.

فإذا كانت انتخابات 1976 قد أثبتت أن الانتخابات يمكن، في ظروف معينة أن تتحول من أداة أرادها الاحتلال لخدمة تصوراته إلى مناسبة لتأكيد الهوية الوطنية فعلينا أن نتعلم من التجربة لا أن نكررها بصورة عمياء.

ما أحوجنا اليوم إلى جبهة وطنية جديدة

ما أحوجنا بعد كل هذا الخذلان المحيط بنا عربيًا وإقليميًا وحتى داخليًا إلى أن ندرك أننا بحاجة إلى بعضنا بعضًا وأن رصّ صفوفنا لم يعد ترفًا سياسيًا وليس لنا بعد الله عز وجل إلا أنفسنا .

ما أحوجنا إلى استعادة روح الجبهة الوطنية التي عرفتها الأراضي المحتلة في سبعينيات القرن الماضي لا لاستنساخها فلكل زمن ظروفه وإنما لاستلهام جوهرها وهو أن تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية والشخصية.

جبهة وطنية لا تقوم فقط على أسماء الفصائل رغم أهمية الفصائل ودورها التاريخي وإنما على رجال ونساء يحملون هم الوطن ويستشعرون الخطر ويدركون أن المرحلة لا تحتمل مزيدًا من التشرذم.

نحن بحاجة إلى جبهة وطنية تواجه كل محاولة لفرض الوصاية على قرارنا الوطني وكل محاولة لتحويل حاجتنا إلى الدعم إلى وسيلة لإملاء مستقبلنا وكل محاولة لإعادة إنتاج الانقسام والفرقة.

ماذا يريد المواطن؟

المواطن اليوم سئم الوعود القديمة، وتعب من الوجوه القديمة، وملّ من أن يرى دمه وأرضه وزيتونه وحجره وشجره مستباحة، بينما يبحث هو في غياهب الأفق المسدود عن أمل... أمل يعيد الأسير إلى بيته... أمل يعيد الزيتون إلى معاصره...أمل يجعل القانون فوق الجميع ويحميه من التجاوز والالتفاف... أمل أن تعاد لغزة العزة عمارتها وبناء ارضها وإنسانها بأيدي وقرار فلسطيني لا من خلال لجان غريبة عن تاريخ وجغرافيا الوطن.

أمل يجعل أي مسؤول يفكر ألف مرة قبل أن يقبل منصبًا عامًا، لأنه يعرف أن المنصب مسؤولية، وأنه سيخضع للمساءلة والمحاسبة عن أي تقصير في حق المواطن.

أمل يرى فيه المواطن المال العام مالًا عامًا بالفعل مراقبًا وميزانياته واضحة وأوجه إنفاقه معلنة ويصب في النهاية في مصلحة البلد وأهله. هذه هي قيمة الانتخابات التي نريدها.

ليست مجرد تغيير أسماء بأسماء ولا تبديل وجوه بوجوه وإنما إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة وإعادة الاعتبار لفكرة أن من يتولى الشأن العام إنما يتولى أمانة.

وقد يسألني البعض، وأنا الذي اخترت أن أترشح ضمن القائمة الرسمية لحركة فتح: كيف تدعو اليوم إلى قائمة وطنية موحدة؟

والجواب واضح أنا اخترت موقعي وقناعتي السياسية وأتحمل مسؤولية هذا الاختيار بكل وضوح وأعتز بانتمائي إلى حركة فتح الأصيلة والأصلية وتاريخها ودورها الوطني.

لكنني في الوقت نفسه أؤمن أن انتماءنا إلى فصيل لا ينبغي أن يحول بيننا وبين العمل من أجل وطن يجمعنا جميعًا.

ففتح جزء أصيل من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية لكنني أؤمن أيضًا أن فتح لا تختصر الوطن كما أن أي فصيل فلسطيني آخر لا يختصر الوطن.

ولهذا فإن دعوتي إلى قائمة وطنية موحدة لا تتناقض مع ترشحي ضمن قائمة فتح بل هي تعبير عن قناعة بأن المصلحة الوطنية يجب أن تبقى أكبر من أي إطار فصائلي وأن المنافسة السياسية ينبغي أن تكون وسيلة لخدمة الوطن لا سببًا لمزيد من الانقسام.

وقد أكون مرشحًا في قائمة فتح، لكنني قبل ذلك وبعده مواطن فلسطيني تعب وتعب وانهكه التعب من كل شئ ويبحث بحث عن مجلس تشريعي يشرّع ويراقب ويحاسب ويحمي القانون والمال العام وحقوق المواطن.

وإذا كان بالإمكان الوصول إلى قائمة وطنية حقيقية، تضم أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة من مختلف الاتجاهات السياسية فلن أرى في ذلك انتقاصًا من فتح، بل أراه تعبيرًا عن قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على تقديم الوطن على الفصيل.

فالانتماء السياسي حق شخصي أما الوطن فحق الجميع.

الانتخابات والوحدة الوطنية

أنا مع إجراء انتخابات المجلس التشريعي ( إذا تم عقدها ) ومع حق المواطن في اختيار من يمثله ومع تجديد المؤسسات وضخ الدماء الجديدة فيها.

وإذا حالت الظروف القائمة دون إجراء الانتخابات في موعدها فإنني أتمنى ألا يتحول أي تأجيل إلى تأجيل للاستحقاق نفسه بل إلى فرصة ومحددة وواضحة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني والوصول إلى توافق وطني حقيقي.

وأقولها بوضوح أنا وأعرف كثير مثلي من المرشحين لن نفكر مرتين في سحب ترشحنا إذا كان المقابل هو الوصول إلى قائمة وطنية موحدة حقيقية وجادة تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الفصائلية والشخصية.

لا أرى في الانسحاب لمصلحة قائمة وطنية حقيقية تراجعًا بل أراه إذا تحققت شروطه موقفًا يضع المصلحة العامة فوق الطموح الفردي.

وأتمنى أن تضم هذه القائمة الوطنية المحامي والطبيب والمهندس والأستاذ والأكاديمي والأسير المحرر، إلى جانب أصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة ممن عرفوا همّ الناس وعاشوه.

 

قائمة لا يكون معيار اختيار أعضائها مقدار قربهم من هذا الفصيل أو ذاك، لا قدرتهم على الوصول إلى مواقع النفوذ وإنما قدرتهم على حمل أمانة المواطن والوطن.

فما أحوجنا اليوم إلى أن نتذكر درس انتخابات 1976 حين اجتمع أصحاب الهم الوطني استطاعوا أن يحولوا الانتخابات من محاولة لصناعة قيادة بديلة إلى مناسبة لتأكيد الهوية الوطنية.

ولعل رسالتنا اليوم ليست أن نعيد الماضي وإنما أن نتعلم منه... أن نتعلم أن الوطن أكبر من الفصيل وأن المؤسسة أكبر من الشخص وأن المنصب تكليف لا تشريف وأن الانتخابات وسيلة وليست غاية.

وأننا مهما اختلفنا نبقى أبناء وطن واحد، وأن قوتنا الحقيقية تبدأ عندما ندرك أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا لأننا فعليا تُركنا وحدنا.

رحم الله رجالًا حملوا الأمانة في زمن صعب ورحم الله والدي الحاج سليم كعكاني الذي ترك لنا من ذاكرته حكايات لم تكن مجرد حكايات وإنما صفحات من تاريخ مدينة ووطن.

ولعل أقل ما نستطيع فعله تجاههم أن نتذكر وأن نتعلم وألا نكرر الأخطاء فقصص التاريخ تروى ليس لينام الأطفال لكن ليستيقظ الرجال.

حمى الله وطننا وشعبنا من كل سوء

أخوكم غازي سليم كعكاني


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة