إذا تكرر مشهد 2025 في الأمم المتحدة.. هل تتحول العزلة الدولية إلى قضية انتخابية داخل إسرائيل؟
9/24/2026 1:33:00 AM

 إذا تكرر مشهد 2025 في الأمم المتحدة.. هل تتحول العزلة الدولية إلى قضية انتخابية داخل إسرائيل؟

إعداد: المحامي علي أبو حبلة
إذا تكرر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2026 مشهد مغادرة أعداد كبيرة من الوفود قاعة الجمعية العامة أو مقاطعتها خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فلن يبقى الحدث في حدود الاحتجاج الدبلوماسي، بل قد يتحول إلى صورة انتخابية تختزل سؤالاً إسرائيلياً أوسع: هل أصبحت السياسة الحكومية سبباً في اتساع العزلة الدولية، أم أن هذه العزلة دليل على حاجة إسرائيل إلى مزيد من التشدد وعدم الخضوع للضغوط الخارجية؟
وتزداد أهمية المشهد لأن الانتخابات العامة للكنيست مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، أي بعد أسابيع قليلة من انعقاد الجمعية العامة. لذلك، فإن تكرار الانسحاب لن يحسم الانتخابات بذاته، لكنه قد يصبح مادة مركزية في الحملات الانتخابية، خصوصاً إذا تزامن مع استمرار الخلافات حول الحرب، ووقف إطلاق النار، وخطة ترمب، وإعادة إعمار غزة والضفة الغربية والقدس، والاستيطان واعتداءات المستوطنين، وتراجع العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية.
في عام 2025، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن 77 دولة ووفداً كانت غائبة عن القاعة أو غادرت عند بدء خطاب نتنياهو، مع التأكيد أن هذه الأرقام شملت دولاً لم تكن موجودة في القاعة أصلاً وأخرى غادرت احتجاجاً. وشملت القائمة مصر والأردن وتركيا والسعودية وإسبانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وإيرلندا ودولاً آسيوية وأفريقية وأمريكية لاتينية.
وقد أصبحت صورة القاعة وهي تفرغ من الوفود جزءاً أساسياً من التغطية الإعلامية العالمية للخطاب، حتى إن الإعلام ركز بدرجة كبيرة على مشهد الانسحاب إلى جانب مضمون الخطاب نفسه.
السياق والوقائع: مشهدان متعاكسان في الأمم المتحدة
تكرار المشهد بعد عام واحد سيعطيه دلالة مختلفة؛ لأن التكرار قد ينقل القضية من حادثة احتجاجية إلى مؤشر على أزمة دبلوماسية متواصلة.
لكن المفارقة أن الجمعية العامة شهدت في 22 أيلول/سبتمبر 2026 مشهداً معاكساً: فقد غادر الوفد الإسرائيلي القاعة أثناء خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعدما شن الأخير هجوماً شديداً على سياسة إسرائيل في غزة ودعا الدول إلى زيادة الضغط عليها ودعم الاعتراف بدولة فلسطين. وظهر مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون ضمن الوفد المنسحب.
وهذا يوضح أن الانسحاب من قاعة الأمم المتحدة أصبح أداة احتجاج دبلوماسي يستخدمها أطراف النزاع في الاتجاهين؛ فالوفد الإسرائيلي انسحب احتجاجاً على خطاب أردوغان، كما انسحبت وفود عديدة عام 2025 أثناء خطاب نتنياهو احتجاجاً على سياسات حكومته.
وقد شهدت جلسات الجمعية العامة بالفعل تصاعداً في الانتقادات الدولية لإسرائيل بشأن غزة والضفة الغربية والقدس، كما ارتفعت الانتقادات المتعلقة بالاستيطان واعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي، وهو ما تناولته وسائل إعلام إسرائيلية ودولية في تغطية أعمال الدورة الحالية.
التداعيات الانتخابية داخل إسرائيل
هنا تبدأ الدلالة الداخلية.
نتنياهو وحلفاؤه يستطيعون تقديم المشهد باعتباره دليلاً على حجم الضغوط التي تواجهها إسرائيل، وعلى أن حكومته ترفض الخضوع لما تعتبره ضغوطاً دولية.
وفي المقابل، يمكن للمعارضة أن تستخدم الصورة لتطرح سؤالاً مختلفاً: هل أصبحت السياسة الحكومية تؤدي إلى اتساع العزلة الدبلوماسية لإسرائيل؟
وبذلك ينتقل الحدث من نيويورك إلى القدس، ومن الجمعية العامة إلى الحملات الانتخابية.
لكن لا يجوز افتراض أن الجمهور الإسرائيلي سيقرأ المشهد بطريقة واحدة. فالناخب الذي يعطي الأولوية للأمن والحرب قد يراه من زاوية مختلفة عن الناخب الذي يعطي الأولوية للعلاقات الدولية أو مستقبل الدولة الفلسطينية أو العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة.
نتنياهو أمام اختبار سياسي قبل الانتخابات
تكمن حساسية المشهد في توقيته.
فاستطلاعات أيلول/سبتمبر 2026 تظهر استمرار حالة التنافس والجمود؛ إذ لم يتمكن أي من المعسكرين من الوصول إلى أغلبية 61 مقعداً في استطلاعات عدة، بينما أظهر متوسط حديث للاستطلاعات 53 مقعداً لكتلة نتنياهو مقابل 55 لأحزاب المعارضة و12 للأحزاب العربية، مع بقاء النتائج الفعلية مفتوحة حتى يوم الاقتراع.
ومن ثم، فإن أي حدث دولي كبير خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة يمكن أن يصبح مادة سياسية، دون أن يعني ذلك أنه سيحسم الانتخابات.
هل تصبح صورة الوفود المنسحبة عبئاً على نتنياهو؟
هذا سؤال سياسي لا يمكن حسمه مسبقاً، لكن يمكن تحديد كيفية استخدامه من جانب الأطراف المختلفة.
إذا تكرر الانسحاب على نطاق واسع، فمن المرجح أن تقول الحكومة إن إسرائيل تواجه حملة ضغط دولية وأن المطلوب هو التماسك وعدم التراجع.
أما المعارضة فقد تستخدم الصورة للقول إن المشكلة لم تعد في انتقادات دولة أو دولتين، وإنما في اتساع الفجوة بين الحكومة الإسرائيلية وعدد متزايد من الدول.
وقد يصبح السؤال الانتخابي عندها:
هل المطلوب مواصلة السياسة الحالية رغم الضغط الدولي، أم إعادة صياغة السياسة الخارجية والأمنية؟
وهذا السؤال لا يملك إجابة واحدة داخل إسرائيل، ولا يمكن استنتاج نتيجة انتخابية منه بصورة مسبقة.
العامل الأوروبي والكلفة المباشرة للعزلة
إذا تكرر مشهد 2025 وشمل دولاً أوروبية مؤثرة، فقد تصبح المسألة أكثر أهمية بالنسبة للنقاش الإسرائيلي الداخلي.
فإسرائيل لا تنظر إلى أوروبا باعتبارها مجرد كتلة دولية في الأمم المتحدة؛ العلاقات الأوروبية ترتبط بالتجارة والاقتصاد والاستثمار والتعاون العلمي والسياسي.
وتزداد حساسية هذا العامل مع تصاعد الخلافات بين الحكومة الإسرائيلية وبريطانيا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، ومع صدور بيان مشترك عن 12 دولة أوروبية، إلى جانب الدعوات إلى مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية. كما أن استمرار اعتداءات المستوطنين، ومصادرة الأراضي ووضع اليد عليها، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، يفاقم الفجوة مع العواصم الأوروبية ويحوّل العزلة الدبلوماسية إلى ملف ذي كلفة اقتصادية وسياسية مباشرة.
ومن هنا قد تتحول صورة الانسحاب إلى نقاش حول الكلفة الدبلوماسية للسياسة الإسرائيلية، وليس فقط حول شرعية الحرب أو الخطاب السياسي.
ما بعد قضية الرهائن: اختبار الالتزام بوقف إطلاق النار
لم تعد قضية الرهائن هي المحور الوحيد للنقاش السياسي، بعدما أُعلن انتهاء هذا الملف وقيام مجلس للسلام برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إلى جانب وقف لإطلاق النار وخطة سياسية لإعادة ترتيب المرحلة المقبلة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه داخل إسرائيل وخارجها هو: هل التزمت حكومة نتنياهو فعلاً بخطة ترمب وبمقتضيات وقف إطلاق النار؟
فاستمرار العمليات أو الإجراءات التي تتعارض مع الخطة، وتعطيل إعادة إعمار غزة، وعدم فتح مسار واضح لإعمار الضفة الغربية والقدس، قد يعمّق الاعتقاد بأن الحكومة الإسرائيلية لا تلتزم بالتفاهمات التي يفترض أن تشكل أساساً للمرحلة الجديدة.
وهنا قد ينتقل النقاش من ملف الرهائن إلى ملفات أوسع: مستقبل غزة، إعادة الإعمار، وضع الضفة الغربية والقدس، وقف الاستيطان، ووقف اعتداءات المستوطنين المتصاعدة.
ثلاثة مسارات محتملة داخل إسرائيل
المسار الأول: التشدد والالتفاف حول الحكومة.
قد يرى جزء من الجمهور أن اتساع الاحتجاج الدولي يؤكد الحاجة إلى حكومة قوية وعدم الاستجابة للضغوط الخارجية، حتى لو شملت الاعتراضات تنفيذ خطة ترمب أو وقف إطلاق النار أو إعادة إعمار غزة.
المسار الثاني: تحميل الحكومة مسؤولية العزلة.
وقد ترى قوى سياسية أخرى أن تكرار المشهد يؤشر إلى ضرورة تغيير السياسة الخارجية والأمنية، والالتزام بالتفاهمات الدولية، ووقف التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، وإعادة بناء العلاقات مع أوروبا.
المسار الثالث: استمرار الجمود.
قد لا يؤدي الحدث إلى تغيير كبير في توجهات الناخبين، وتستمر الخريطة الانتخابية في حالة عدم حصول أي معسكر على 61 مقعداً، بما يجعل مفاوضات تشكيل الحكومة هي العامل الحاسم بعد الانتخابات.
ماذا يعني ذلك لمستقبل نتنياهو السياسي؟
لا يمكن القول إن تكرار الانسحاب سيؤدي بذاته إلى خروج نتنياهو من الحياة السياسية، كما لا يمكن اعتباره دليلاً على خسارته الانتخابات.
لكن إذا تزامن المشهد مع عوامل أخرى، مثل استمرار الانقسام السياسي، والخلافات داخل الائتلاف، والانتقادات المتعلقة بإدارة الحرب، وعدم الالتزام بخطة ترمب ووقف إطلاق النار، وتصاعد اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، وتراجع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، فقد يصبح الضغط السياسي على الحكومة أكثر وضوحاً.
وتأتي الانتخابات الحالية أصلاً في بيئة تنافسية؛ إذ وصفت تقارير حديثة المعركة بأنها شديدة التقارب، فيما يسعى نتنياهو إلى توحيد معسكر اليمين في مواجهة منافسين أبرزهم غادي آيزنكوت.
وهنا يجب الفصل بين الضغط السياسي والمسار القضائي؛ فالمستقبل السياسي يحدده الناخبون والائتلافات البرلمانية، بينما المسائل القضائية لها مسارها المستقل.
الخلاصة
إذا تكرر مشهد 2025 بانسحاب عشرات أو غالبية الوفود من قاعة الجمعية العامة أثناء كلمة نتنياهو، فإن التداعيات الأهم لن تكون بروتوكولية، وإنما سياسية وإعلامية وانتخابية.
ستصبح الصورة اختباراً لسياسة الحكومة أمام الرأي العام الإسرائيلي. وسيحاول نتنياهو وحلفاؤه تقديمها باعتبارها مواجهة بين إسرائيل وضغوط دولية، بينما ستسعى المعارضة إلى تقديمها باعتبارها مؤشراً على الكلفة الدولية للسياسة الحالية، وعلى عدم التزام الحكومة بخطة ترمب ووقف إطلاق النار، وعلى استمرار الاستيطان واعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي.
لكن الصورة وحدها لن تحسم الانتخابات. فالحسم سيتوقف على كيفية تفاعلها مع ملفات الأمن، والعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، ومستقبل غزة والضفة الغربية والقدس، والاقتصاد، وشكل الائتلاف الحكومي المقبل.
وتكمن أهمية المشهد في أنه قد يختزل أمام الناخب الإسرائيلي سؤالاً أكبر: هل تستطيع حكومة نتنياهو مواصلة النهج نفسه رغم اتساع الضغوط الدولية، أم أن كلفة السياسة الخارجية والأمنية ستدفع إلى تغييرها؟
 
 

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة