
يرى مسؤولُ كبيرٌ في جهاز الأمن العّام (الشاباك) أنّ ميليشيات إسرائيل في غزة متورّطةٌ في الجريمة والنهب والثأر، وأنّ مصيرها سيكون مثل مصير روابط القرى في الضفّة الغربيّة والمتعاونين مع الاحتلال الفرنسيّ في الجزائر، وعملاء أمريكا في فيتنام، وتابع: “أظهر اعتقال معين العربيد، أحد كبار قادة جهاز الأمن الداخليّ لحماس، في عمليةٍ نفذها الشاباك والجيش، والتي يُقال إنّه شاركت فيها عناصر فلسطينيّة محليّة، الفائدة العملياتيّة التي قد تجنيها إسرائيل من الميليشيات المعارضة لحماس. إلّا أنّ هذا النجاح بحد ذاته يثير تساؤلاً أوسع: ما مصير هذه الجماعات عندما تُقلّص إسرائيل وجودها في قطاع غزة؟”، هذا ما طرحه الإسرائيليّ، أفنير بارنيع، وهو باحثٌ في مركز دراسات الأمن القوميّ بجامعة حيفا، وضابطٌ سابقٌ رفيع المستوى في جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، في مقالٍ نشره بصحيفة (هآرتس) العبريّة.
وأوضح: “سلّطت عملية اعتقال العربيد الضوء على الميليشيات المحلية التي تتعاون مع إسرائيل وتستفيد من الدعم اللوجستيّ والاستخباراتيّ من الجيش الإسرائيليّ والشاباك. هذه مسألةٌ أمنيّةٌ وأخلاقيّةٌ. فالاعتماد على الجماعات المسلحة المحلية يثير مشاكل أمنيّة وقانونيّة وأخلاقيّة. إذ إنّ بعض أعضائها متورطون في أنشطةٍ إجراميّةٍ، وثأر، ونهب، ولا يخضعون لآليات الانضباط والرقابة المطبقة على الجيش النظاميّ. لذا، يصعب على إسرائيل السيطرة على تصرفاتهم، ومنع إلحاق الأذى بالمدنيين، والتنصل من مسؤوليتها عن عواقب أفعالهم”.
ورأى الباحث “أنّ السؤال لا يقتصر على جدوى هذه الميليشيات اليوم، بل يتعداه إلى تكلفة تشغيلها في المستقبل. هل تبرر الفائدة قصيرة الأجل غضّ الطرف عن العنف الشديد، مع التغاضي عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية للجهة المشغلة؟”.
وأكّد أنّه “منذ عام 2025، تشكلت في قطاع غزة شبكة من عدة ميليشياتٍ فلسطينيّةٍ تعارض حماس، وتنشط بشكلٍ رئيسيٍّ من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي أو بالقرب من (الخط الأصفر). وتُعدّ (القوات الشعبيّة) أكبر هذه الميليشيات وأبرزها. في حزيران (يونيو) 2025، أكّد نتنياهو أنّ إسرائيل “فعّلت عشائر في غزة تعارض حماس” بناءً على توصيةٍ من الأجهزة الأمنية ولإنقاذ أرواح جنود الجيش الإسرائيليّ. وكان هذا أول اعترافٍ رسميٍّ بهذه السياسة، وكان (الشاباك) العامل الرئيسيّ في إنشائها وتشغيل بعضها والتي تتعاون مع الجيش الإسرائيليّ”.
واستذكر “تنشط في غزة أربع ميليشياتٍ تتعاون مع إسرائيل. وكشف تحقيق أجرته صحيفة (وول ستريت جورنال) وتقارير إسرائيليّة عن تقديم مساعداتٍ واسعة النطاق للميليشيات، شملت تزويدها بالأسلحة والذخيرة، ونقل معلومات استخباراتية حول مواقع وتحركات عناصر (حماس)، وتوفير الغذاء والمعدات والسجائر، ودفع رواتب المجندين، وإجلاء الجرحى لتلقي العلاج في المستشفيات الإسرائيلية. وتشمل أنشطتها اشتباكاتٍ مع عناصر حماس، واغتيالاتٍ، واعتقالاتٍ، وعمليات اختطافٍ، بينما توفر الطائرات الإسرائيليّة المسيرة معلوماتٍ استخباراتيّةٍ وغطاءً أمنيًا”.
وأردف: “وبعض قادة هذه الجماعات وعناصرها متورطون في الماضي في جرائم وتهريب ونهب مساعدات. ولا يزال تكوينها وتسلسل قيادتها ومدى قدرة إسرائيل على مراقبة أنشطتها غير واضح. ويبلغ عدد عناصرها بضع مئات. ورغم قلة عددهم، تعتبرهم حماس خطرًا بسبب الأسلحة التي يمتلكونها وتعاونهم مع الجيش الإسرائيلي، وتسعى جاهدةً لإلحاق الضرر بهم”.
ولفت إلى أنّه “قد سبق لإسرائيل أنْ فشلت في محاولة بناء قيادةٍ فلسطينيّةٍ محليّةٍ كبديلٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية. تلقت (روابط القرى)، التي تأسست في الضفة الغربية أواخر سبعينيات القرن الماضي بدعمٍ من الحكومة العسكرية، موارد وسلطة، وفي بعض الحالات أسلحة. وقد عززت المساعدات الإسرائيلية تحديدًا صورتها لدى الرأي العام الفلسطينيّ كعملاءٍ. واستغلت منظمة التحرير هذا الوضع لعزلها، وفي غضون سنواتٍ قليلةٍ فقدت نفوذها وتوقفت عن العمل عام 1984”.
ورأى أنّ “الدرس المُستفاد هو أنّ إسرائيل تستطيع تزويد كيانٍ محليٍّ بالأسلحة والموارد، لكنّها لا تستطيع منحه شرعيةً شعبيّةً. فقد نجحت منظمة التحرير بتصوير الصراع ضدّ (روابط القرى) كاختبارٍ للولاء الوطنيّ”.
وقال “لا ينبغي تجاهل الفائدة العملياتيّة التي قد تقدمها الميليشيات في الصراع ضدّ حماس. مع ذلك، لا يُغني الإنجاز التكتيكيّ عن السياسة. قبل أنْ تُوسِّع إسرائيل مساعداتها لهذه الجماعات، عليها تحديد الجهة المشرفة عليها، والقيود المفروضة على أنشطتها، ومكانتها المحتملة في النظام السياسيّ المستقبليّ، والأهم من ذلك: ما سيؤول إليه حال أفرادها وعائلاتهم عند زوال الحماية الإسرائيليّة”.
وشدّدّ على أنّ “تجربة (المتعاونين الجزائريين مع الاحتلال الفرنسيّ) و(روابط القرى) تُظهر سهولة إنشاء قوةٍ محليّةٍ وتسليحها، بينما يصعب السيطرة عليها ومنحها الشرعية وحمايتها لاحقًا. ودون إجابات لهذه التساؤلات، قد يكون المصير محتومًا”.
واختتم: “وفقًا لدراسةٍ أجراها البروفيسور مناحيم هوفنغ، فقد زرعت إسرائيل على مرّ السنين آلافًا من المتعاونين الفلسطينيين داخل حدودها، ومع عائلاتهم وغيرهم من الأفراد المُهددين، يصل عددهم إلى عشرات الآلاف. ولا يوجد أيّ تقريرٍ رسميٍّ بهذا الشأن”.
أخبار فلسطينية
أخبار الاقتصاد
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |