9/11/2026 1:11:00 AM
بقلم : أحمد صيام
في الوقت الذي يسود فيه الشعور لدى الشارع الفلسطيني بنية القيادة الفلسطينية - وخاصة الاوساط الفتحاوية المُتنفذة فيها ، حسبما المح اليه قادة كبار في حركة فتح - عن تاجيل او الغاء الانتخابات التشريعية ، التي اعلن عنها الرئيس محمود عباس في مرسوم سابق له ، اعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية عبر الناطق باسمها فريد طعم الله ، انها لم تتلق اي أي إشعار أو تلميح أو موقف رسمي بشأن تأجيل الانتخابات التشريعية ، وانها أكملت كافة اجراءاتها واستعداداتها الفنية والإدارية لإجراءها في الموعد المقرر بتاريخ 28 تشرين الثاني/ 2026 ، داعية الى الالتزام بكافة مراحل العملية الانتخابية وفق الجدول الزمني المُعلن مُسبقاً دون أي تغيير أو تأجيل .
يُستشف من مثل هذه التصريحات المُتضاربة التي يجري تناقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، وآخرها تصريح امين سراللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب ، ان المُعطيات لا تسمح باجراء الانتخابات ، مُتمنيا على المواطنين الاستمرار في التحضيرات وكأن الانتخابات جارية ، وان جرى تأجيلها فستكون " بروفة " ، الرجوب لم يُفصح في تصريحه عن المُعطيات ، ولم يفصح عن تأجيل او الغاء للانتخابات ، ولكن يُمكن ان يُستشف من تصريحه تفسيرات عدة : اولا ، قد تكون خدعة من ذوي النفوذ في السلطة ، يُروجون للتاجيل حتى يتباطىء المواطنين في الاستعدادات ، ويتفاجئوا حين تحين ساعة الصفر بان حركة فتح تتقدم بقائمتها ، فيما الاخرون دون قوائم ، فتكسب الرهان وتكتسح النتائج ، وقد يكون في تصريح الرجوب تحذير للمواطنين بعدم التباطؤ ومواصلة الاستعداد والانتهاء من اعداد القوائم الى ان يصدر مرسوم رسمي بالتأجيل او الالغاء ، والاحتمال الاخير في قوله " بروفة " ما هو الا ربما نوعا من انواع القياس لقوة حركة فتح ، حيث تُشير المُعطيات ووفق استطلاعات الراي الاخير الى خسارة مُدوية ستُمنى بها الحركة في الانتخابات القادمة ان جرت !!
الذرائع للتأجيل او الالغاء ، جاهزة ، ومُبيتة ، ومُخطط لها والبدائل مُعدة مُسبقا ، ولكن بانتظار ساعة الصفر، فان كانت المُعطيات تميل الى صالح القيادة المُتنفذة ، ستجري الانتخابات في موعدها المُعلن عنه باي ثمن ، وان كانت العكس - كما هو مُتوقع حسب استطلاعات الرأي الاخيرة - ، ستُخرج الذرائع الى النور، وتُحمل الاحتلال مسؤولية تعطيل الحياة التشريعية الفلسطينية ، تماما كما جرى في 2021 ، حيث تذرعت القيادة بمنع الاحتلال للمقدسيين المُشاركة بالانتخابات ما حذى بالقيادة الى تاجيلها ، فيما كان السبب الرئيس للالغاء هو تكرار ما جرى في انتخابات 2006 ، خسارة مدوية ستُمنى بها حركة فتح ، وبالتالي تتآكل مصالح المُتنفذين بالسلطة ، خاصة ان القيادة الفلسطينية لم تكن في اعلانها عن موعد الانتخابات تهدف الى تجديد الشرعية او احياء الهيئات التشريعية المُعطلة منذ اكثر من عشرين سنة ، او ترتيب النظام السياسي المُتآكل اصلا بما يشمل كافة القوى الفلسطينية ، او مُحاولة منها لتجاوز حالة الانسداد والتأزم الداخلي والتصدع في النظام السياسي الفلسطيني ، انما مُكرهة واستجابة للمطالب الأمريكية والأوروبية وجهات إقليمية ، لتحقيق إصلاحات ذاتية وإدارية داخل مؤسسات السلطة .
ومن هنا ياتي الترويج من مسؤولين من حركة فتح ، لامكانية تاجيل الانتخابات او الغائها ، لحث القوى الاخرى المُتنافسة الى التباطؤ، فمن ناحية تكسب الوقت وتستنزف قدرات الاخرين وتخلق حالة من الاحباط والترقب في صفوفهم ، على امل ان تتفكك وتضعف المعنويات ، وبالتالي التأخر في الوصول إلى لحظة الحسم أو ساعة الصفر، فتنقض الحركة وتُقدم قائمتها ، دون ان تجد من يُنافسها !!
وان لم تنطل هذه الخُدعة على القوى الاخرى المُتنافسة ، وتكون على اتم الجاهزية ، تُقدم القيادة ذرائعها ومُبرراتها المعهودة ، وتُعلن عن تأجيل الانتخابات ، وتذهب الى البديل الاخر، وهو خيار انتخابات المجلس الوطني من خلال آليات ما اقرته مُنفردة ودون الرجوع الى كافة القوى الاخرى التي تتمتع بشعبية كبيرة في الشارع الفلسطيني ، وهي " المُجمعات الانتخابية " ، كما جرى في دول الكويت والبحرين وقطر ، وسيجري في معظم اماكن الشتات ، حيث تستأثر حركة فتح دون غيرها من القوى ، بالاشراف على الانتخابات وتفصيلها وفق المقاس الذي تُريد ، وبذلك تضمن الاغلبية البرلمانية المُطلقة .
بكل الاحوال ، الساحة الفلسطينية مليئة بالالغام ، وبحاجة الى تغليب الحكمة الوطنية لنزعها ، ولكن كما يظهر جليا ومن خلال تصريحات اعضاء مُتنفذين في اللجنة المركزية لحركة فتح ، من الصعب التراجع للوراء واشراك الكل الفلسطيني في سياسات السلطة المُتبعة ، بصرف النظرعن التوجهات او الانتماءات ، ومن هنا تاتي احتمالية مُمارسة الخداع ، لمواصلة الاستئثار بالقرار والسلطة والاجراءات ، وما الدعوة التي يتشدق بها المُتنفذون لحوار وطني ، الا كلمة حق يُراد بها باطلا ، فلأجل الجلوس على مائدة الحوار، تشترط القيادة جملة من الاشتراطات على المُتحاورين ، كمن يضع العربة امام الحصان ، مُرتبطة بطبيعة المرحلة وبرنامج السلطة والسياسات المتبعة ، وفي معظمها مصالح بيروقراطية واقتصادية مُرتبطة ببقاء السلطة واستمرارها ، وبقاء مصالح المُستفيدين منها ، وكذلك هناك خلافات حادة تدور حول من يُمثل الشعب الفلسطيني وكيفية إدارة منظمة التحرير الفلسطينية ، وهل ينبغي إعادة هيكلتها لتضم جميع الفصائل ، أم تبقى تحت سيطرة الخط المُتنفذ في حركة فتح ، وايضا طبيعة وشكل الإشراف على الأجهزة الأمنية وصلاحياتها ، وهي نقطة تجاذب رئيسية في أي تفاهمات أو حكومات وحدة وطنية ، نظراً لارتباط الأمن بالتزامات السلطة الميدانية .
في المحصلة ، ستبقى الساحة الفلسطينية مُنقسمة ومُتشرذمة ، وتتزايد احتمالات بروز انقسامات سياسية جديدة في مرحلة تفرض فيها سلطات الاحتلال وقائع سياسية وجغرافية وديموغرافية جديدة على الأرض ، في ظل غياب حوار وطني فلسطيني جاد وشامل ، ينتج عنه برنامج سياسي وميداني ، يُحدد أهداف المرحلة المُقبلة بكل مُعطياتها وشكل الانتخابات وحدودها ، ومن جهة اخرى ستتفاقم معاناة المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فيما ستبقى القدس شعارا يتشدق به الكل ، فيما هي واهلها فعليا خارج الحسابات الداخلية جميعها