جينات الاعتياد
8/17/2026 1:29:00 AM

 جينات الاعتياد

عزة جبر

كنتُ في طريق العودة من بيت لحم إلى رام الله، كانت المرة الأولى، منذ الحرب، التي أقود فيها السيارة وحدي على هذا الطريق، لم يكن معي أحد يخبرني أي الطرق سالكة وأيها مغلق، ولم أكن أعرف أصلًا أن حاجز الـ DCO يُغلق في ساعة معينة.

وصلت إلى الحاجز فوجدته مغلقًا، الغريب أنني لم أغضب، لم أشتم، لم أضرب المقود بيدي، ولم أسأل السؤال العبثي الذي نعرف إجابته جميعًا: لماذا؟

استدرت ببساطة وعدت أدراجي، لأكمل الطريق من طريق آخر أطول بكثير، طريق سيأخذ مني وقتًا أكثر، وجهدًا أكثر، وبنزينًا أكثر، في وقت صار فيه البنزين نفسه حكاية أخرى، نقف من أجلها في الطوابير ونحسب الكيلومترات قبل أن نحسب النقود.

كان الحاجز المفتوح سيوفر عليّ كل ذلك، لكنه كان مغلقًا. وانتهى الأمر، واصلت القيادة وأنا أغني مع عمرو دياب هكذا بكل بساطة.

لا أعرف تحديدًا متى حدث هذا لنا، متى أصبح الحاجز المغلق مجرد تعديل بسيط على برنامج يومنا؟ ومتى تعلمنا أن نعيد حساب الطريق بهذه السرعة، كأن أحدًا لم يغلق طريقنا أصلًا؟

وصلت إلى مدينتي، ومن داخلها رأيت الحاجز المغلق من الجهة الأخرى، نظرت إليه وقلت بصوت عالٍ: تبًّا لحياتنا، ثم أكملت يومي كما أكمل بقية أيامي.

وهنا فكرت ربما أكثر ما يخيف في حياة الفلسطيني ليس فقط ما يحدث له، بل قدرته المذهلة على الاعتياد على ما يحدث له.

الفلسطيني يعتاد، وأحيانًا أشعر أن الاعتياد، من كثرة ما مارسناه، صار جزءًا من جيناتنا.

تغلق طريقًا؟ سيفتح مليون طريق في رأسه، طريق زراعي، طريق بين قريتين، شارع لم يسمع به من قبل، تطبيق، اتصال بصديق: من وين نروح اليوم؟. وبعد أيام يصبح الطريق الذي كان بالأمس مغامرة هو الطريق المعتاد، وننسى تقريبًا أن هناك شارعًا طبيعيًا كان يفترض أن نسلكه.

تُغلق محطات الوقود أو ينقطع البنزين.. يمتعض الفلسطيني، يغضب، يشتم، يكتب منشورًا غاضبًا، يقف ساعات في طابور، ثم يبدأ مرحلة التأقلم: يقلل المشاوير، يتفق مع زميله أن يذهبا بسيارة واحدة، يؤجل ما يمكن تأجيله، يحسب ما في الخزان كأن كل خط صغير على مؤشر الوقود جزء من مدخراته، وبعد قليل تصبح جملة: معي نص تنكة بنزين معلومة مهمة في ترتيب الحياة.

ينقطع الراتب.. يغضب، يصرخ قليلًا، يحسب ديونه، يقلب الأرقام في رأسه، يؤجل قسطًا، يستدين، يسدد دينًا بدين، يخترع حلولًا اقتصادية لا يعرفها خبراء الاقتصاد أنفسهم، ثم  وبقدرات عجيبة لا أعرف إن كان علينا أن نفخر بها أم نحزن عليها يكمل الحياة، يشتري الخبز، يدفع ما يستطيع من الأقساط، يذهب إلى العمل، يعزم صديقه على فنجان قهوة، وقد يضحك من قلبه أيضًا، وهذه تحديدًا هي المسألة.

من يرانا من الخارج قد يظن أن هذه قوة خارقة وقد نسميها نحن صمودًا، جلدًا، قدرة على الاحتمال وكل ذلك صحيح بطريقة ما، لكنني بدأت أخاف من كلمة )اعتدنا) لأن الاعتياد رحمة وقسوة في الوقت نفسه.

هو رحمة لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته كلها في حالة صدمة العقل نفسه يحميك، يأخذ الكارثة التي هزتك في المرة الأولى، ويضعها شيئًا فشيئًا في درج الحياة اليومية، حتى تتمكن من الاستيقاظ صباحًا وصنع القهوة والذهاب إلى عملك، لكنه قاسٍ لأنك، بعد مدة، قد تنسى أن ما اعتدت عليه ليس طبيعيًا أصلًا.

ليس طبيعيًا أن تسأل قبل أن تخرج من بيتك: أي الطرق مفتوحة؟

ليس طبيعيًا أن يكون وصولك إلى مدينة تبعد عنك بضعة كيلومترات مسألة احتمالات.

ليس طبيعيًا أن تقيس مشوارك بكمية البنزين التي بقيت في الخزان.

ليس طبيعيًا أن يصبح الراتب مفاجأة حين يصل، لا حقًا منتظمًا تنتظر موعده.

وليس طبيعيًا أن تتغير تفاصيل حياتك كلها بقرار لم تكن طرفًا فيه، ثم يُطلب منك في صباح اليوم التالي أن تستيقظ وتكمل حياتك بشكل طبيعي.

لكننا نفعل، نتأقلم بسرعة مذهلة، ربما لأن البديل عن التأقلم هو أن تتوقف الحياة، والفلسطيني، رغم كل شيء، لديه ولع غريب بالحياة.

يريد أن يشرب قهوته، أن يذهب إلى عمله، أن يزوج ابنه، أن يحتفل بتخرج ابنته، أن يشتري قميصًا جديدًا، أن يختلف مع جاره على موقف السيارة، أن يحب، أن يضحك، أن يغني في السيارة مع عمرو دياب، بينما يعود من طريق طبيعية..

هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو تافهة أمام الأشياء الكبيرة التي نعيشها، لكنها بالنسبة لي جوهر الحكاية كلها، نحن لا نواصل الحياة لأن الحياة سهلة، بل لأننا تعلمنا كيف نحشر الحياة في المساحات الصغيرة التي تتركها لنا القسوة.

وكلما أُغلقت مساحة، بحثنا عن أخرى، ربما لهذا يبدو الفلسطيني أحيانًا وكأنه قادر على احتمال كل شيء، لكنه ليس كذلك، هو يغضب ويتعب ويخاف ويحزن ويشعر بالعجز، تمامًا مثل أي إنسان، الفرق أنه لا يملك دائمًا رفاهية التوقف عند كل واحدة من هذه المشاعر طويلًا.

هناك يوم يجب أن يكتمل، هناك أطفال يجب أن يعودوا إلى البيت، هناك عمل، هناك خبز، هناك موعد، وهناك حياة، مهما ضاقت، يجب أن تستمر.

لذلك نغضب قليلًا، نشتم قليلًا، نسخر كثيرًا، ثم نبحث عن طريق آخر، والمشكلة أن الطريق الآخر موجود دائمًا، وهذه نعمتنا ومصيبتنا في الوقت نفسه.

لأن وجود الطريق الآخر هو ما يجعلنا نستمر، لكنه أيضًا ما يجعل العالم ينسى أحيانًا أن أحدًا أغلق الطريق الأول.

في ذلك اليوم، عندما وصلت إلى رام الله ورأيت الحاجز من الجهة الأخرى، لم أفكر بكل هذا بالطبع، قلت فقط: تبًّا لحياتنا.

ثم أكملت طريقي، لاحقًا فقط أدركت أن أكثر ما أخافني لم يكن الحاجز المغلق، أخافني أنني لم أغضب حين وجدته مغلقًا.

أخافني أنني استدرت بهدوء، واستمتعت بالأغنية، وسلكت الطريق الأطول كأن هذا هو الترتيب الطبيعي للأشياء، ربما هذه هي الحكاية الفلسطينية كلها في مشهد صغير: يغلقون الطريق، فنبحث عن طريق آخر، يضيق الطريق الآخر، فنصنع ثالثًا، ثم نمضي فيه طويلًا إلى درجة أننا ننسى أن الطريق الأول كان حقنا من البداية.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة