الأغوار الوسطى: "سلة فلسطين الغذائية" بين فكّي الاستيطان الرعوي والحصار
8/6/2026 10:59:00 PM

تلفزيون نابلس – يارا محمد : تُشكل الأغوار الفلسطينية عصب الحياة الزراعية والاقتصادية في الضفة الغربية، وحصناً بيئياً واستراتيجياً فريداً يُعرف بحق بأنه "سلة غذاء فلسطين". على مساحة شاسعة تبلغ نحو 2,400 كيلومتر مربع — أي ما يعادل زهاء 30% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية — تمتد هذه المنطقة الحيوية من قرية عين البيضاء شمالاً بالقرب من بيسان، وصولاً إلى عين جدي جنوباً، محاذية للشاطئ الغربي لنهر الأردن حتى الأطراف الجنوبية للبحر الميت.

‎‎ولا تتوقف أهمية هذا الشريط الحدودي عند حدوده الجغرافية، بل تتجاوزها لتصنع فارقاً زراعياً واستثمارياً استثنائياً؛ فبفضل مناخها الدافئ شتاءً وخصوبة تربتها، تنفرد الأغوار بإنتاج الخضروات والفواكه المبتكرة ومبكرة النضج مقارنة بالمناطق المرتفعة، فضلاً عن كونها الموطن الرئيسي لزراعة أجود أنواع تمور "المجهول"، والحمضيات، والموز. وتدعم هذه الثروة الخضراء بيئة مائية غنية تضم أحواضاً جوفية رئيسية و بيئة مائية غنية وعيوناً طبيعية تاريخية كعين السلطان وعين الفشخة، مما يجعل الأغوار ركيزة لا غنى عنها للأمن الغذائي والمائي الفلسطيني.

‎‎ابتدأت أطماع الاحتلال في الأغوار بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، وتضاعفت في ظل حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة الداعمة للاستيطان."

‎‎فمنذ خطة "ألون" الإستراتيجية التي تلت النكسة مباشرة، وُضِعت الأغوار في مقدمة المخططات الهادفة لعزل الضفة الغربية عن جوارها العربي وفرض السيطرة على حدودها الشرقية. واليوم، تُرجمت هذه الأطماع مع الحكومة اليمينية إلى سياسات ضمٍّ وتوسعٍ غير مسبوقة؛ عبر شرعنة البؤر الاستيطانية، وتوفير الحماية والدعم المالي للمستوطنين، وتكثيف قرارات مصادرة الأراضي والموارد الطبيعية، لفرض واقع ميداني جديد يُضيق الخناق على الوجود الفلسطيني في المنطقة.

وأكد عاطف اشتية، مسؤول لجنة الإصلاح في الأغوار الوسطى، في تصريحات أدلى بها لتلفزيون نابلس، على الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لمنطقة الأغوار الوسطى بوصفها "سلة فلسطين الغذائية" واحتوائها على ثاني أكبر حوض مائي في الضفة الغربية بعد منطقة قلقيلية، مشيراً في الوقت ذاته إلى حجم المعاناة المركبة التي يعيشها الأهالي جراء سياسات الاحتلال والمستوطنين. وأوضح اشتية أن الحياة اليومية والمسيرة التعليمية تأثرتا بشكل بالغ نتيجة تقطيع أوصال المنطقة بالحواجز العسكرية التي يُعد "حاجز عين شبلي" من أشدها قسوة وتضييقاً على حركة المواطنين، لافتاً إلى أن نسبة السيطرة والاستيلاء على الأراضي الجبلية تجاوزت 75%، مما أدى إلى شل حركة الأهالي ومنعهم من الوصول إلى الجبال والسهول ومصادر المياه في القرية.

وأضاف اشتيه الى أن الاقتصاد المحلي بالمنطقة يعتمد بالدرجة الأولى على القطاع الزراعي وبالدرجة الثانية على الثروة الحيوانية، إلا أن هذا القطاع يواجه خطراً وجودياً بعد استيلاء المستوطنين على عدة مزارع وسرقتها، الأمر الذي دفع نحو 95% من مربي الماشية إلى الامتناع القسري عن التوجه بأغنامهم نحو المراعي الجبلية تجنباً لسرقتها أو الاعتداء عليها. وحذر اشتية من خطورة تصاعد ظاهرة "الاستيطان الرعوي" الذي يستهدف السيطرة الفعلية على المساحات المفتوحة والمراعي ومطاردة الأغنام لضرب مصدر الرزق الأساسي الذي يعتاش منه المزارعون، مؤكداً أن الأغوار الوسطى تظل في صدارة المناطق المستهدفة بعمليات الضم الاستيطاني نظراً لغناها بالمياه وموقعها الحيوي.

‎‎إن ما تشهده الأغوار الوسطى من استهداف لمياهها ومراعيها وحركة مواطنيها يضع المنطقة أمام خطر حقيقي، يستدعي تحركاً عاجلاً لإسناد المزارعين ودعم ثباتهم على أرضهم التي تشكل شريان الحياة الغذائي والمائي في الضفة الغربية.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة