معبر الكرامة أمام القضاء الإسرائيلي: تقاضٍ تحت الاحتلال لا اعتراف بسيادته
7/27/2026 10:10:00 PM

 معبر الكرامة أمام القضاء الإسرائيلي: تقاضٍ تحت الاحتلال لا اعتراف بسيادته

الدعوى الفلسطينية تؤكد مسؤولية قوة الاحتلال ولا تنتقص من الحق السيادي للشعب الفلسطيني على أرضه

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تفتح الدعوى المقدمة أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية بشأن معبر الكرامة ملفاً قانونياً وسياسياً بالغ الأهمية، ليس فقط من زاوية المطالبة بتسهيل حركة المواطنين والبضائع وإنهاء القيود المفروضة على المعبر، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بالمركز القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة وطبيعة العلاقة القانونية بين الشعب الواقع تحت الاحتلال والقوة المحتلة.

فالمسألة الجوهرية التي ينبغي تثبيتها منذ البداية أن هذه الدعوى لا تستند إلى أي اعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المعبر أو على الأرض الفلسطينية، وإنما تقوم على حقيقة قانونية وواقعية مفادها أن إسرائيل هي القوة القائمة بالاحتلال التي تسيطر فعلياً على الأرض وتمارس صلاحيات الإدارة والسيطرة على المعابر، وبالتالي تتحمل الالتزامات القانونية المترتبة عليها بموجب القانون الدولي الإنساني.

إن اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي في هذه الحالة هو لجوء بحكم الضرورة والواقع المفروض بفعل الاحتلال، وليس إقراراً بشرعية الاحتلال أو قبولاً بأي ادعاء إسرائيلي بالسيادة. فالاحتلال لا ينقل السيادة، ولا يمنح الدولة المحتلة حقاً على الإقليم، وإنما ينشئ حالة قانونية مؤقتة تخضع لقيود صارمة فرضتها قواعد القانون الدولي.

أولاً: الاحتلال لا ينشئ سيادة وفق القانون الدولي

تشكل قواعد القانون الدولي الإنساني الإطار الناظم لوضع الأراضي المحتلة، وفي مقدمتها لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

وتنص قواعد لاهاي على أن الاحتلال لا يؤدي إلى انتقال السيادة، وإنما يقتصر على ممارسة سلطة فعلية مؤقتة على الإقليم. كما أن المادة (43) من لائحة لاهاي تلزم القوة المحتلة باتخاذ جميع التدابير اللازمة لإعادة النظام العام والحياة المدنية وضمان استمرارها، بما يحفظ حقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال.

أما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، فقد جاءت لتوفير الحماية للسكان المدنيين في زمن الاحتلال، وألزمت القوة القائمة بالاحتلال باحترام حقوق السكان وضمان احتياجاتهم الأساسية وعدم اتخاذ إجراءات تعسفية تؤدي إلى تعطيل حياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

وعليه، فإن إدارة إسرائيل لمعبر الكرامة لا تستند إلى حق سيادي، وإنما إلى واقع السيطرة العسكرية المفروضة، وهي مسؤولية قانونية مؤقتة لا تمنحها أي حق دائم في الأرض أو المعابر أو الحدود.

ثانياً: معبر الكرامة جزء من الإقليم الفلسطيني المحتل

إن معبر الكرامة يقع ضمن الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، والتي أكدت جميع المرجعيات الدولية أنها أراضٍ محتلة وليست أراضي ذات سيادة إسرائيلية.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الجدار عام 2004 أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هي أرض محتلة، وأن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق عليها. كما جاء رأي المحكمة الاستشاري الصادر عام 2024 ليؤكد أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الضم والاستيطان وتغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة تتعارض مع قواعد القانون الدولي.

وبذلك فإن أي سيطرة إسرائيلية على المعابر أو الحدود أو الموارد لا تمنحها صفة السيادة، وإنما ترتب عليها التزامات باعتبارها سلطة احتلال.

ثالثاً: الدعوى أمام القضاء الإسرائيلي لا تسقط الحق في اللجوء الدولي

يحاول البعض إثارة تساؤل حول ما إذا كان اللجوء إلى المحكمة الإسرائيلية قد يضعف الموقف الفلسطيني أمام المؤسسات الدولية، إلا أن هذا الطرح لا يستقيم قانوناً.

فالقانون الدولي لا يمنع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال من استخدام وسائل التقاضي المتاحة أمام سلطة الاحتلال للمطالبة بحقوقها، بل إن استنفاد وسائل الانتصاف المحلية يمكن أن يكون عاملاً داعماً أمام الهيئات الدولية.

والأهم أن هذه الدعوى لا تقوم على أساس الاعتراف بشرعية الاحتلال، وإنما على أساس تحميل الاحتلال مسؤولياته القانونية. فالقول بأن إسرائيل تدير المعبر بحكم سيطرتها الفعلية لا يعني أنها صاحبة سيادة عليه.

وهنا يجب التمييز بين الاختصاص الفعلي الناتج عن الاحتلال وبين السيادة القانونية التي تبقى لصاحب الإقليم. فالاحتلال يمارس سلطة مؤقتة، لكنه لا يملك الأرض.

رابعاً: دحض الادعاءات الإسرائيلية بالسيادة

إن أي محاولة إسرائيلية لاستخدام هذه الدعوى لإثبات وجود سيادة أو ولاية أصلية على معبر الكرامة تتعارض مع مبادئ أساسية في القانون الدولي.

فميثاق الأمم المتحدة أكد في المادة الثانية مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، كما أكدت قرارات مجلس الأمن، وخاصة القرارين 242 و338، أن الأراضي المحتلة عام 1967 تخضع للتفاوض على أساس إنهاء الاحتلال، وليس باعتبارها جزءاً من السيادة الإسرائيلية.

كما أكد قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016 عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، واعتبر جميع الإجراءات التي تهدف إلى تغيير التركيبة الجغرافية والديمغرافية والقانونية للأراضي المحتلة بلا أثر قانوني.

أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد أكدت في العديد من قراراتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والسيادة الدائمة على موارده وأرضه.

وبالتالي فإن ممارسة إسرائيل لأي صلاحيات على المعبر هي نتيجة مباشرة لواقع الاحتلال، وليست نتيجة حق سيادي معترف به دولياً.

خامساً: البعد السياسي والقانوني للدعوى

سياسياً، تكشف قضية معبر الكرامة استمرار الفجوة بين الواقع الذي فرضه الاحتلال وبين المركز القانوني الذي يعترف به المجتمع الدولي. فإسرائيل تحاول التعامل مع المعابر باعتبارها أدوات سيادية، بينما القانون الدولي ينظر إليها باعتبارها جزءاً من إقليم محتل يخضع لقواعد الاحتلال المؤقت.

ومن هنا فإن المعركة القانونية لا تتعلق فقط بساعات عمل المعبر، وإنما بتثبيت مبدأ أساسي: أن الاحتلال لا يتحول إلى سيادة مهما طال أمده، وأن السيطرة الفعلية لا تنتج حقاً قانونياً.

وفي حال رفضت المحكمة الإسرائيلية الدعوى بذريعة الأمن، فإن ذلك سيكشف مدى تغليب الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية على الحقوق الإنسانية والاقتصادية للفلسطينيين، ويمكن أن يشكل مادة قانونية إضافية أمام المحافل الدولية لإثبات القيود المفروضة على حرية الحركة.

أما في حال قبول الدعوى، فإن ذلك يبقى التزاماً يقع على عاتق قوة الاحتلال ولا يمنحها أي شرعية سيادية.

الخلاصة

إن قضية معبر الكرامة تؤكد قاعدة قانونية راسخة: الأرض الفلسطينية المحتلة تبقى أرضاً فلسطينية، والسيادة لا تنتقل بالاحتلال، والسلطة التي تمارسها إسرائيل على المعبر هي سلطة احتلال مؤقتة وليست سلطة سيادة.

إن اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي هو إجراء قانوني فرضته طبيعة الاحتلال وسيطرته الفعلية، ولا يتعارض مع القانون الدولي ولا يمس بحق الشعب الفلسطيني في مواصلة اللجوء إلى القضاء الدولي ومساءلة الاحتلال عن انتهاكاته.

فالرسالة القانونية والسياسية الأهم هي أن الفلسطينيين لا يطلبون من القضاء الإسرائيلي الاعتراف بحق لإسرائيل، بل يطالبون بإلزام قوة الاحتلال باحترام التزاماتها التي فرضها القانون الدولي، مع التأكيد أن المرجعية النهائية تبقى للقانون الدولي ولقواعد السيادة وتقرير المصير، وليس للأمر الواقع الذي صنعته القوة العسكرية

 

 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة