حين يعجز الوجع عن البكاء… وداعًا يا رفيق نصر، وداعاً يا طيب القلب
7/19/2026 7:46:00 PM

 حين يعجز الوجع عن البكاء… وداعًا يا رفيق نصر، وداعاً يا طيب القلب

بقلم: وليد العوض

من شدة الوجع، تتحجر الدموع في المآقي، وترتجف الأيادي، وترتعش القلوب ألمًا. هناك لحظات يعجز فيها الحزن عن أن يجد لغته، ويصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلمات.

قبل أيام، كتبت مناشدًا الرفيق نصر أبو جيش أن ينهض، وقلت له: “انهض يا جبل المحامل”. لم تكن عبارة عابرة، بل كانت وصفًا لرجل حمل من الأعباء ما يكفي لأعمار، وظل واقفًا، لا ينحني إلا لوطنه، ولا يهادن إلا ضميره. كنت أمني النفس أن يقرأها، وأن يبتسم، ويشتد عوده، ويعود كما عرفناه دائمًا، سابقًا المرض، ومؤجلًا التعب.

لكن نصر هذه المرة خذل آمالنا، على غير ما اعتدناه منه، ولم ينهض.

رحل الرفيق بعد أن أعياه المرض المفاجئ. اكتشف الأطباء تلفًا كبيرًا في رئتيه، وأكاد أجزم أن جزءًا كبيرًا من هذا التلف لم يكن إلا حصاد سنوات طويلة من استنشاق الغاز السام، في كل مواجهة، وفي كل مسيرة، وفي كل اشتباك شعبي مع الاحتلال ومستوطنيه. لم يكن نصر يعرف كيف يقف بعيدًا عن الخطر، بل كان يبحث عنه حيث تكون كرامة الناس في مواجهة الجندي، وحيث يحاول المستوطن اقتلاع شجرة أو مصادرة أرض.

في بيت دجن، وفي فروشها، وعلى الحواجز، وفي القرى والبلدات التي كانت تتعرض للاستيطان وهجمات المستوطنين، كان نصر حاضرًا دائمًا. لم يكن يسأل من المنظم، ولا من صاحب الدعوة، ولا أي راية سترفع؛ كان يسأل سؤالًا واحدًا: أين يجب أن أكون؟

وكان يكون حيث يجب أن يكون.

لم يكن قائدًا يبحث عن الأضواء، بل مناضلًا يصنعها بعرقه وصبره وحضوره. كان واحدًا من أولئك الذين يثبتون أن الانتماء الحقيقي لا يقاس بالخطب، بل بعدد المرات التي تعرض فيها الإنسان للغاز والرصاص والملاحقة وهو يدافع عن أرض شعبه.

رحل نصر، لكن رحيله يترك سؤالًا موجعًا: كم من المناضلين يحملون في أجسادهم آثار المعارك التي لم يسجلها أحد؟ كم من رئات امتلأت بالغاز السام؟ وكم من قلوب أنهكها التعب وهي تظن أن لديها متسعًا من الوقت لتواصل الطريق؟

كان نصر واحدًا من سنديانات حزب الشعب الفلسطيني، وركنًا من أركان الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى تعريف، لأن أثرهم يسبق أسماءهم. وحين يغيب أمثال نصر، لا يغيب شخص واحد، بل تغيب تجربة، وذاكرة، وحكمة، وشجاعة، وقطعة من الروح الجماعية التي صنعت تاريخ هذا الشعب.

نحتاج نصر اليوم أكثر من أي وقت مضى. نحتاج جرأته وصلابته وهدوءه، وحتى حين كان ينفجر غضبًا، كان سرعان ما يعود بقلب طفل ودود. نحتاج إلى قدرته على جمع الناس، وإلى إيمانه العميق بأن المقاومة الشعبية ليست شعارًا، بل أسلوب حياة، وأن الدفاع عن الأرض يبدأ بخطوة ثابتة في وجه الجندي والمستوطن.

لكن عزاءنا أن الرجال من طينة نصر لا يرحلون تمامًا. يبقون في الحقول وعلى التلال التي دافعوا عنها، وفي الطرقات التي مشوا فيها، وفي الأشجار التي حرسوها، وفي ذاكرة كل رفيق سار إلى جانبهم، وكل شاب تعلم منهم أن الوطن لا يُحمل بالكلمات وحدها، بل بالأكتاف التي لا تنحني.

وداعًا يا رفيقنا العزيز…

نم قرير العين، فقد أديت الأمانة حتى آخر نبضة، وتركت لنا إرثًا من الوفاء والنضال لا يزول.

أما نحن، فسنظل نردد، بحزن لا ينتهي، ما كتبناه يومًا مناشدينك: “انهض يا جبل المحامل”… لكننا ندرك اليوم أن الجبال، حين ترحل، لا تسقط… بل تتحول إلى قمم نهتدي بها.

“سلامٌ عليك يا نصر، يوم كنت في مقدمة الصفوف، ويوم رحلت تاركًا في قلوبنا فراغًا لا يملؤه إلا الوفاء لنهجك، ويوم تبقى حيًا في ذاكرة الوطن الذي أحببته حتى الرمق الأخير.” 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة