من الملاعب إلى معركة الشرعية الدولية... لماذا أثار تضامن حسام حسن مع فلسطين اهتمام إسرائيل؟
7/5/2026 1:08:00 AM

 من الملاعب إلى معركة الشرعية الدولية... لماذا أثار تضامن حسام حسن مع فلسطين اهتمام إسرائيل؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
محامٍ وباحث في القانون الدولي
في زمن لم تعد فيه الرياضة مجرد منافسة على الألقاب، تحولت الملاعب إلى إحدى ساحات الصراع على الصورة والشرعية الدولية، وأصبحت القوة الناعمة أحد أهم عناصر التأثير في الرأي العام العالمي. وفي هذا السياق، اكتسبت المبادرة التي قام بها المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، بعد تأهل منتخب بلاده إلى دور الـ16 من كأس العالم، أهمية تجاوزت حدود الحدث الرياضي، عندما رفع العلم الفلسطيني وأهدى الإنجاز إلى الشعبين المصري والفلسطيني، في رسالة إنسانية وسياسية لاقت صدى واسعًا في العالم العربي، وأثارت في المقابل اهتمامًا لافتًا داخل إسرائيل.
لم يكن المشهد مجرد احتفال رياضي، بل عكس التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، حيث باتت كل رسالة تضامن مع الفلسطينيين تُقرأ في سياق أوسع يتعلق بمعركة الرواية والشرعية الدولية. وقد انتشرت صور حسام حسن وهو يحمل العلم الفلسطيني في وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى واحدة من أبرز لقطات البطولة.
وفي إسرائيل، لم يقتصر التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى وسائل الإعلام العبرية التي تناولت الحدث بوصفه مؤشرًا على اتساع حضور القضية الفلسطينية في الفضاء الرياضي الدولي. فقد رأت صحف إسرائيلية، من بينها يديعوت أحرونوت وهآرتس ويسرائيل هيوم، أن الحرب في غزة أفرزت واقعًا جديدًا أصبحت فيه الساحات الرياضية والثقافية جزءًا من المواجهة على الرأي العام العالمي، وأن إسرائيل تواجه تحديًا متزايدًا في الدفاع عن صورتها الدولية.
وأشارت تحليلات في الصحافة الإسرائيلية إلى أن مشاهد التضامن مع الفلسطينيين في البطولات الرياضية، ورفع الأعلام الفلسطينية من قبل رياضيين أو جماهير، لم تعد أحداثًا معزولة، بل تعكس تحولًا في المزاج الدولي، وهو ما اعتبرته بعض الأقلام الإسرائيلية جزءًا من "معركة الوعي" التي تخوضها إسرائيل بالتوازي مع المواجهة العسكرية والدبلوماسية.
كما حذرت مراكز أبحاث إسرائيلية، وفي مقدمتها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، من أن تداعيات الحرب لا تقتصر على الجانب الأمني، وإنما تمتد إلى تراجع المكانة الدولية لإسرائيل، واتساع الانتقادات داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية والرياضية، الأمر الذي يفرض على صانع القرار الإسرائيلي التعامل مع تحديات تتجاوز الميدان العسكري إلى ميدان الشرعية السياسية والأخلاقية.
وتعكس تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين خلال الأشهر الأخيرة إدراكًا متزايدًا لهذه التحولات، حيث أقر مسؤولون في وزارتي الخارجية والشؤون الاستراتيجية بأن إسرائيل تخوض معركة صعبة على مستوى الرأي العام العالمي، في ظل اتساع حملات التضامن مع الفلسطينيين، وتزايد الانتقادات الموجهة لسياساتها في غزة، وهو ما ينعكس بصورة متزايدة في الجامعات، والمؤسسات الثقافية، والفعاليات الرياضية.
وفي هذا الإطار، فإن مبادرة حسام حسن لم تكن مجرد تعبير عن موقف شخصي، وإنما جسدت الدور المتنامي للرياضة بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة. فالصورة التي ظهر فيها وهو يحمل العلم الفلسطيني، وإهداؤه الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، وصلت إلى ملايين المشاهدين حول العالم، وأسهمت في ترسيخ البعد الإنساني للقضية الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه أهمية الصورة والرمز في تشكيل اتجاهات الرأي العام.
لقد أثبتت التجارب المعاصرة أن النفوذ الدولي لم يعد يقاس فقط بحجم القوة العسكرية أو القدرات الاقتصادية، وإنما أيضًا بالقدرة على كسب التعاطف العالمي، وصياغة رواية تحظى بالمصداقية والقبول. ومن هنا، أصبحت الرياضة والثقافة والفن والإعلام عناصر أساسية في معركة الشرعية الدولية، تمامًا كما أصبحت المحاكم الدولية والمؤسسات الحقوقية جزءًا من المشهد السياسي العالمي.
إن التفاعل الإسرائيلي مع مبادرة حسام حسن يؤكد أن تل أبيب تدرك أهمية هذه الساحات الجديدة، وأن معركة الصورة لا تقل تأثيرًا عن المعارك السياسية والدبلوماسية. وفي المقابل، فإن استمرار حضور القضية الفلسطينية في المحافل الرياضية الدولية يعكس أن الوعي العالمي لا يزال يتفاعل مع البعد الإنساني للصراع، وأن القوة الناعمة أصبحت أحد أهم ميادين التأثير في رسم ملامح النظام الدولي وصناعة الشرعية.
ولعل الدرس الأبرز هو أن الحروب لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضًا بالصورة والرمز والكلمة. وما جرى في ملاعب كأس العالم يبرهن أن رسالة تضامن صادقة قد تتجاوز في أثرها حدود المباراة، لتصبح جزءًا من معركة أوسع على العدالة والشرعية والرأي العام العالمي، وهي معركة تبدو مرشحة لأن تكون إحدى أهم ساحات الصراع في السنوات المقبلة.
من الملاعب إلى معركة الشرعية الدولية... لماذا أثار تضامن حسام حسن مع فلسطين اهتمام إسرائيل

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة