غزة… حين تصبح الحياة معركة يومية من أجل البقاء
7/1/2026 2:08:00 AM

*غزة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطالب بحقها في الحياة... وهذا حق لا يقبل التأجيل، ولا يخضع للمساومة، ولا يجوز أن يبقى رهينة صمت العالم أو عجزه.

كتب وليد العوض
بعد أكثر من عامين ونصف من حرب الإبادة الشاملة التي تعرض لها شعبنا في قطاع غزة، وما خلّفته من مآسٍ إنسانية وجراحٍ نازفة ودمارٍ غير مسبوق، وألقت بما يزيد على مليون ونصف المليون نازح تحت لهيب الخيام وبقايا المنازل والجدران الآيلة للسقوط، لم تعد المأساة مجرد أزمة إنسانية عابرة، ولا كارثة يمكن احتواؤها ببعض المساعدات المحدودة التي تقدمها بعض المؤسسات، أو بالبيانات الدولية التي تصف حجم الكارثة دون أن تمتلك الإرادة لوقفها. لقد أصبحت غزة تعيش حالة انهيار شامل تطال الإنسان والمكان، وتضع أكثر من مليوني فلسطيني أمام معركة يومية من أجل البقاء، في ظل استمرار الحرب، وتدمير البنية التحتية، وانهيار مقومات الحياة إلى مستويات غير مسبوقة.
لم يعد الحديث في غزة عن تحسين الظروف المعيشية أو إعادة الإعمار، بل عن توفير الحد الأدنى من شروط الحياة الآدمية. فالغذاء شحيح، والمياه الصالحة للشرب أصبحت حلمًا بعيد المنال، والخدمات الصحية تكافح وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، بعد أن طال الدمار المستشفيات والمراكز الطبية وسيارات الإسعاف. وفي الوقت ذاته، تتفاقم المخاطر الصحية والبيئية مع تعطل شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وانتشار الأمراض والأوبئة، بينما تواصل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التحذير من التدهور المتسارع في الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة الاحتياجات الأساسية للسكان.
إن أخطر ما في المشهد لا يقتصر على حجم الخسائر البشرية والدمار المادي، وإنما يمتد إلى الاستنزاف النفسي والاجتماعي الذي يتعرض له الإنسان الفلسطيني. فسنوات الحرب المتواصلة، والنزوح المتكرر، وفقدان الأحبة والمنازل ومصادر الرزق، صنعت واقعًا بالغ القسوة، يدفع المجتمع بأسره نحو مزيد من الهشاشة، ويهدد مستقبل أجيال كاملة نشأت في ظل الحرب والحرمان والخوف وانعدام الأفق.
وفي خضم هذه المأساة، تبرز الحاجة الملحة إلى حماية النسيج الاجتماعي الفلسطيني باعتباره أحد أهم عناصر الصمود الوطني. فالمعاناة يجب أن تكون حافزًا لتعزيز التضامن المجتمعي، واحترام حق المواطنين في التعبير السلمي عن مطالبهم الإنسانية والمعيشية، ومعالجة أسباب الاحتقان بالحوار والمسؤولية الوطنية، بعيدًا عن كل أشكال التخوين أو الإقصاء، لأن وحدة المجتمع أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من معركة الصمود.
إن المسؤولية عن إنقاذ غزة لا تقع على عاتق أهلها وحدهم. فالمجتمع الدولي مطالب بالانتقال من دائرة القلق والإدانة اللفظية إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن وقف العدوان، وتأمين التدفق الآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، والشروع في إعادة الإعمار وفق أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
كما أن القوى الفلسطينية كافة مطالبة اليوم بقدر أكبر من المسؤولية التاريخية، عبر تغليب المصلحة الوطنية العليا، والانفتاح على مراجعات سياسية صريحة وجادة تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة، وتعزز الوحدة الوطنية، وتمنع استثمار معاناة أبناء شعبنا في خدمة إدامة الانقسام أو الهيمنة، فالتحديات الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية لا يمكن التصدي لها إلا بشراكة وطنية حقيقية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للسعب الفلسطيني
لقد أثبت الفلسطينيون في غزة، رغم كل ما أصابهم، أن إرادة الحياة أقوى من الدمار، وأن الصمود ليس مجرد شعار، بل ممارسة يومية يدفع ثمنها الناس من دمائهم وأعصابهم وأحلامهم. غير أن هذا الصمود لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتركهم وحدهم في مواجهة الجوع والمرض والتشريد والدمار، بل يجب أن يكون حافزًا لتحمل الجميع مسؤولياتهم الوطنية والإنسانية والأخلاقية.
*غزة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطالب بحقها في الحياة... وهذا حق لا يقبل التأجيل، ولا يخضع للمساومة، ولا يجوز أن يبقى رهينة صمت العالم أو عجزه

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة