
يارا محمد – تلفزيون نابلس: تتصاعد جرائم الاحتلال ومستوطنيه بحق الشعب الفلسطيني يوماً بعد آخر، في محاولة يائسة لدفعه نحو التخلي عن أرضه، وفرض السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية. ولتحقيق هذا المخطط الإحلالي، يشن الاحتلال حرباً وحشية وممنهجة تقوم على اقتلاع المواطن من أرضه وسلبه ممتلكاته ومصادر رزقه؛ حيث لم يقتصر الأمر على مصادرة الآليات الزراعية وسرقة المواشي فحسب، بل امتد ليتجاوز كل الخطوط الحمراء عبر حرق المنازل والمنشآت، وتدمير خطوط المياه وشبكات الكهرباء لقطع شرايين الحياة الأساسية عن التجمعات الصامدة. يتزامن ذلك مع اعتداءات جسدية مباشرة وإطلاق للرصاص الحي والكلاب البوليسية لتخويف النساء والأطفال، وفرض حصار خانق يمنع المزارعين والرعاة من الوصول إلى أراضيهم، في أبشع صور البطش والترهيب الرامية إلى التهجير القسري وتصفية الوجود الفلسطيني.
وهنا، تبرز "خربة الرأس الأحمر" في الأغوار كشاهد حي ونموذج صارخ على هذا الاستهداف الصعب. هذا التجمع الزراعي والرعوي الصامد، يجد نفسه اليوم في خط المواجهة الأول؛ حيث يتعرض المواطنون هناك لاقتحامات متواصلة وتدمير متعمد للممتلكات، يرافقه فرض حصار خانق وإغلاق للمداخل والمخارج لعزل السكان وتقييد حركتهم، بالتزامن مع عمليات الهدم المتكررة للمساكن والخيام، ومصادرة الآليات الزراعية وصهاريج المياه التي تعد شريان الحياة الوحيد لهم، وذلك تحت ذرائع عسكرية واهية تهدف لتحويل أراضيهم إلى ثكنات مغلقة.
وفي تجسيد حي لهذه الانتهاكات اليومية، ذكر المواطن ثائر عبدالله حسين بشارات، من سكان المنطقة، بتعرضه لاعتداء سافر وممنهج استهدف أرضه وممتلكاته؛ حيث أقدم المستوطنون على سلب أرضه بالقوة وإتلاف كافة المزروعات القائمة فيها، مما تسبب له بخسائر مادية وفادحة. وفي محاولة لطمس الأدلة وإخفاء هوياتهم لتغطية الجرائم بعيداً عن الأعين، تعمد المستوطنون تخريب وتدمير كاميرات المراقبة المثبتة في المكان، مما يظهر إصراراً مسبقاً على ارتكاب الجريمة دون رادع، وهي ذات السياسة المتبعة في الخربة بأكملها لتغييب الحقيقة عن العالم.
وأمام هذا التعتيم والحصار، يسطر أهالي "الرأس الأحمر" ملحمة ثبات يومية بإرادة لا تنكسر؛ إذ يعيدون بناء ما يدمّره الاحتلال فور رحيل آلياته، متمسكين بترابهم ومصادر رزقهم رغم شح المياه وانقطاع السبل. إن هذا الإصرار يحول الخربة من تجمع مستهدف إلى رمز وطني شامخ يُفشل مخططات التهويد والضم في الأغوار برمتها، ليغدو تواجد المزارع والراعي في أرضهخط الدفاع الأخير الذي يؤكد أن قوة السلاح لن تفلح في اقتلاع أصحاب الأرض الأصليين، وأن شريان الحياة في الخربة سيظل ينبض طالما بقيت الأجساد مرابطة فوق ثراها.
إن ما يحدث في خربة الرأس الأحمر، وما واجهه المواطن ثائر بشارات وغيره من السكّان، ليس مجرد حدث عابر أو انتهاك معزول، بل هو صورة واقعية وحية لسياسة التهجير القسري وتصفية الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار بأكملها. إنها محاولة لإحلال المستوطنات وتوسيعها على حساب عرق وجهد المزارع والرّاعي الفلسطيني الذي ورث هذه الأرض أباً عن جد. ورغم كل هذه الإجراءات التعسفية، ورغم غياب أبسط الخدمات الأساسية من شبكات مياه أو كهرباء، يسطر أهالي الرأس الأحمر يومياً ملحمة من الثبات الأسطوري؛ يثبتون للعالم أن الهوية لا يمكن طمسها بالهدم، وأن الأرض ستبقى تتحدث لغتها العربية، ليبقى هذا الصمود صخرة تتحطم عليها كل مخططات الاقتلاع والتهجير.
أخبار محلية
أخبار الاقتصاد
أخبار دولية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |