
بقلم: الدكتورة سناء زكارنة - في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، تصبح الحكمة الوطنية ضرورة لا تقل أهمية عن الشجاعة، ويغدو الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية جزءاً أصيلاً من معركة الصمود والبقاء.
وغزة اليوم، وهي تواجه واحدة من أعنف الحروب التي عرفها التاريخ المعاصر، لا تحتاج إلى فتح جبهات جديدة داخل مجتمعها المنهك، بقدر ما تحتاج إلى تعزيز عوامل الثبات والوحدة والتكافل الوطني. فالشعوب التي تتعرض لمحاولات الاقتلاع لا تنتصر فقط بما تملك من أدوات المقاومة، بل أيضاً بقدرتها على حماية نسيجها الاجتماعي ومنع الانقسام من التسلل إلى صفوفها.
لقد دفعت غزة أثماناً باهظة من دماء أبنائها وبيوتها ومستقبل أطفالها، ونجحت رغم كل ذلك في الحفاظ على صورة شعب متماسك يواجه مصيره الجماعي بإرادة استثنائية. ومن هنا فإن أي خطوة تؤدي إلى تشتيت الجهد الوطني أو نقل حالة الاحتقان من مواجهة الاحتلال إلى ساحات داخلية، لا تخدم سوى الجهة التي تسعى منذ البداية إلى تفكيك عناصر القوة الفلسطينية وإضعاف مناعة المجتمع.
إن المعركة الحقيقية ما زالت واضحة المعالم؛ شعب يطالب بحقه في الحياة والحرية والكرامة، في مواجهة قوة احتلال تمتلك أدوات الحرب والحصار والتجويع. وأخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات هو ضياع الأولويات واختلاط الاتجاهات، بحيث يتحول الانشغال من مواجهة أسباب المأساة إلى الانشغال بتداعياتها الداخلية.
إن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تقتضي أن نحصّن مجتمعنا من كل ما يمكن أن يوسع دائرة الانقسام أو يبدد طاقات الناس، وأن نحوّل حالة الألم الجماعي إلى قوة تضامن وتكافل ومبادرات تعزز صمود المواطنين وتخفف عنهم أعباء الحرب.
ولذلك فإن الرسالة الأهم في هذه المرحلة يجب أن تكون رسالة وحدة وطنية جامعة؛ رسالة تؤكد أن أبناء الشعب الفلسطيني، مهما اختلفت اجتهاداتهم وآراؤهم، يدركون أن مصيرهم واحد، وأن مواجهة التحديات الكبرى لا تكون إلا بالحفاظ على السلم الأهلي وترسيخ ثقافة التكاتف والتعاون.
غزة التي وقفت في وجه الحصار والحرب والدمار، قادرة أيضاً على حماية وحدتها الداخلية. فالوحدة ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل هي اليوم إحدى أهم أدوات الصمود الوطني، وأحد الشروط الأساسية لحماية القضية الفلسطينية من محاولات التشويه والتفكيك.
وفي زمن تتكاثر فيه محاولات إرباك المشهد وإعادة صياغة الأولويات، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعب الفلسطيني، وعلى قدرته التاريخية في التمييز بين ما يخدم معركته الوطنية وما يبدد طاقاته بعيداً عن هدفه الأساسي.
فغزة لا تبحث عن صراع جديد بين أبنائها، بل تبحث عن مزيد من التماسك في مواجهة العاصفة، وعن مزيد من الأمل في مواجهة الألم، وعن مزيد من الوحدة في مواجهة كل مشاريع التمزيق والإضعاف.
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |