بين الإصلاح المالي وأزمة القطاع الصحي: هل أصبح المريض الفلسطيني يدفع ثمن العجز المالي وغياب الرؤية الاستراتيجية؟
6/6/2026 7:22:00 PM

 بين الإصلاح المالي وأزمة القطاع الصحي: هل أصبح المريض الفلسطيني يدفع ثمن العجز المالي وغياب الرؤية الاستراتيجية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضم الأزمة المالية غير المسبوقة التي تعيشها السلطة الفلسطينية، جاء البيان المشترك الصادر عن وزارتي المالية والصحة بشأن مستجدات القطاع الصحي ليعكس حجم التحديات التي تواجه المنظومة الصحية الفلسطينية، وليكشف في الوقت ذاته عن مرحلة حرجة لم يعد الحديث فيها مقتصراً على تأخر الرواتب أو نقص بعض أصناف الأدوية، وإنما بات يتعلق بمستقبل قطاع حيوي يرتبط مباشرة بحق الإنسان في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية.
فالبيان الذي تحدث عن ترتيبات عاجلة لتوفير الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأورام والأمراض المزمنة، وحذّر من التداعيات الخطيرة لاستمرار احتجاز أموال المقاصة، يؤكد بصورة غير مباشرة أن القطاع الصحي الفلسطيني يقف اليوم على حافة أزمة وجودية قد تتحول إلى تهديد حقيقي للأمن الصحي والاجتماعي إذا لم يتم التعامل معها بوصفها أولوية وطنية تتجاوز الحسابات المالية والإدارية التقليدية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا تعاني المستشفيات من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية؟ بل كيف وصلت المنظومة الصحية الفلسطينية إلى مرحلة أصبح فيها استمرار تقديم الخدمة مرهوناً بتوفير تمويل طارئ لمنع الانهيار؟
أزمة تتجاوز المقاصة والعجز المالي
لا شك أن احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة واستمرار الاقتطاعات المالية غير القانونية شكّل عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة المالية الفلسطينية، وأدى إلى إضعاف قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع الصحة.
غير أن اختزال الأزمة الصحية في العامل المالي وحده قد يحجب رؤية الصورة الكاملة. فالأزمة الراهنة هي نتاج تراكمات ممتدة لسنوات طويلة من الاختلالات الهيكلية في إدارة الموارد، وضعف التخطيط الاستراتيجي، وتضخم النفقات التشغيلية، وغياب رؤية مستدامة للأمن الدوائي والتمويل الصحي.
لقد كشفت الأزمة الحالية هشاشة النموذج المالي القائم على الاعتماد شبه الكامل على أموال المقاصة والمساعدات الخارجية، بحيث أصبح أي قرار إسرائيلي بحجز الأموال أو أي تراجع في الدعم الدولي ينعكس مباشرة على قدرة المستشفيات على توفير الدواء والعلاج والخدمة الطبية.
عندما تتحول مديونية الحكومة إلى أزمة صحة عامة
إن أحد أخطر أبعاد الأزمة يتمثل في تضخم المديونية الحكومية تجاه القطاع الخاص الفلسطيني، وبخاصة الشركات الموردة للأدوية والمستلزمات الطبية والمستهلكات الضرورية لتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية.
فعلى مدار سنوات، واصل الموردون تزويد وزارة الصحة بالأدوية والمواد الطبية رغم التأخر في دفع المستحقات، انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية الوطنية وحرصهم على عدم انقطاع الخدمة الصحية. لكن استمرار تراكم الديون وضع هذه الشركات أمام واقع مالي بالغ الصعوبة، حيث أصبحت عاجزة عن تمويل عمليات الاستيراد والتوريد بالوتيرة المطلوبة.
إن سلسلة التوريد الصحية تشبه الحلقة المتصلة؛ فعندما لا يحصل المورد على مستحقاته تتراجع قدرته على الشراء، وعندما تتراجع عمليات التوريد تبدأ المخازن بالنفاد، وعندما ينفد المخزون يصبح المريض هو الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن.
ومن هنا فإن أزمة الدواء ليست أزمة مخزون فحسب، بل أزمة تمويل وإدارة وسياسات عامة، تتطلب معالجة جذرية تتجاوز الحلول المؤقتة.
المستشفيات الخاصة: الشريك الذي يوشك على الانسحاب
إذا كانت أزمة الموردين تمثل الوجه الأول للمشكلة، فإن الوجه الآخر يتمثل في الأزمة الخانقة التي تعيشها المستشفيات الخاصة نتيجة تراكم مستحقاتها المالية الناجمة عن التحويلات الطبية الحكومية.
لقد شكلت المستشفيات الخاصة الفلسطينية لعقود طويلة شريكاً أساسياً في تقديم الخدمات الطبية التخصصية، وساهمت في استيعاب آلاف المرضى المحولين من وزارة الصحة، خاصة في مجالات الأورام والقلب والأعصاب والعناية المكثفة والجراحات الدقيقة.
غير أن تراكم الديون المستحقة لهذه المستشفيات أوصل بعضها إلى مرحلة العجز عن الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين والموردين والبنوك، الأمر الذي دفع العديد منها إلى التحذير من عدم قدرتها على الاستمرار في استقبال التحويلات الطبية الحكومية ما لم يتم إيجاد حلول حقيقية لمشكلة المستحقات المتراكمة.
وهنا تبرز خطورة المشهد؛ فإذا توقفت المستشفيات الخاصة عن استقبال المرضى المحولين، فإن آلاف المرضى سيفقدون منفذاً أساسياً للعلاج، بينما ستجد المستشفيات الحكومية نفسها أمام ضغط يفوق طاقتها الاستيعابية والإدارية والمالية.
إن انهيار منظومة التحويلات الطبية لن يكون أزمة إدارية فحسب، بل أزمة إنسانية تمس حياة المرضى وحقهم في الحصول على العلاج.
بين حقوق العاملين وحقوق المرضى
في ظل هذه الظروف، جاء نداء وزارتي المالية والصحة للنقابات بوقف إجراءات الامتناع عن العمل، باعتبار أن استمرار الخدمة الصحية يمثل أولوية وطنية.
لكن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر مطالبة العاملين في القطاع الصحي وحدهم بتحمل الأعباء. فالأطباء والممرضون والفنيون يعيشون بدورهم تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة وتآكل الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، ويعملون في بيئة تعاني من نقص الإمكانات وضغط العمل المتزايد.
لذلك فإن الحل لا يكمن في تحويل العاملين إلى طرف يتحمل كلفة الأزمة، بل في بناء شراكة وطنية قائمة على الحوار والشفافية وتوزيع الأعباء بصورة عادلة، بما يضمن استمرار الخدمة الصحية ويحفظ في الوقت ذاته حقوق العاملين.
هل نحن أمام إصلاح أم إدارة للأزمة؟
من الناحية الاقتصادية والإدارية، هناك فرق جوهري بين الإصلاح وإدارة الأزمة.
فالإصلاح يعني معالجة الأسباب البنيوية للمشكلة وإعادة بناء المؤسسات على أسس الكفاءة والاستدامة والحوكمة الرشيدة، بينما تعني إدارة الأزمة اتخاذ إجراءات مؤقتة لمنع الانهيار وتأجيل تداعياته.
ومن خلال قراءة المشهد الحالي، يبدو أن الحكومة تخوض معركة إدارة أزمة أكثر من كونها تنفذ برنامج إصلاح شامل. فالتركيز ينصب على تأمين الأدوية الأساسية ومنع توقف الخدمات وتسديد جزء من الالتزامات المتراكمة، وهي إجراءات ضرورية ومهمة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة المرتبطة بتمويل القطاع الصحي واستدامته.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح القطاع الصحي محصناً ضد الأزمات المالية والسياسية، وعندما لا يبقى توفير الدواء والعلاج رهناً بتدفق أموال المقاصة أو المنح الخارجية.
الصحة حق دستوري وليست بنداً مالياً
إن الحق في الصحة ليس منحة تقدمها الحكومات عندما تتوفر الأموال، بل حق أساسي كفلته القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
وعندما يصبح المريض غير قادر على الحصول على دوائه، أو تتأخر عمليته الجراحية، أو يضطر للانتظار أشهراً للحصول على تحويلة طبية، فإن الأمر لا يتعلق بمشكلة إدارية فحسب، بل بمساس مباشر بحقوق الإنسان الأساسية.
لذلك فإن حماية القطاع الصحي يجب أن تكون جزءاً من منظومة الأمن الوطني الفلسطيني، تماماً كما هي حماية التعليم والأمن الغذائي والبنية التحتية.
رؤية للخروج من الأزمة
إن مواجهة الأزمة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الطوارئ إلى بناء استراتيجية وطنية طويلة المدى ترتكز على:
اعتبار الأمن الدوائي جزءاً من الأمن القومي الفلسطيني.
وضع خطة زمنية واضحة لمعالجة ديون الموردين والمستشفيات الخاصة.
إعادة هيكلة نظام التحويلات الطبية وضمان استدامة تمويله.
تعزيز الشفافية والمساءلة في الإنفاق الصحي.
دعم الصناعات الدوائية الوطنية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
إنشاء صندوق وطني للطوارئ الصحية.
تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص بما يحافظ على استمرارية الخدمات الصحية.
خاتمة
إن ما يواجهه القطاع الصحي الفلسطيني اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي والإداري والاقتصادي على حماية المواطن في أكثر لحظات ضعفه وحاجته.
فبين مديونية الحكومة للموردين، وتراكم مستحقات المستشفيات الخاصة، ونقص الأدوية، وتراجع القدرة التشغيلية للمؤسسات الصحية، يقف المريض الفلسطيني في مواجهة معاناة يومية لا تعترف بالأرقام والموازنات والتبريرات السياسية.
إن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بحجم الوفر المالي الذي تحققه الحكومات، بل بقدرتها على ضمان وصول الدواء إلى المريض، والعلاج إلى المحتاج، والخدمة الصحية إلى كل مواطن دون تمييز.
وفي ظل التحديات الوطنية الكبرى التي يواجهها الشعب الفلسطيني، يبقى الحفاظ على القطاع الصحي وصموده مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية لا تحتمل التأجيل، لأن انهيار المنظومة الصحية لن يكون مجرد فشل قطاعي، بل تهديداً مباشراً لصمود المجتمع الفلسطيني واستقراره ومستقبله.
 

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة