أزمة الأدوية في فلسطين: ناقوس خطر يهدد الأمن الصحي وحق المرضى في العلاج
6/4/2026 8:37:00 PM

 

بقلم المحامي علي ابو حبلة
تدخل المنظومة الصحية الفلسطينية مرحلة بالغة الخطورة في ظل تفاقم أزمة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وهي أزمة لم تعد مجرد مشكلة إدارية أو مالية عابرة، بل تحولت إلى تحدٍ وطني يمس الأمن الصحي الفلسطيني ويهدد حق المواطنين في الحصول على العلاج والرعاية الصحية الأساسية.
وتكشف المعطيات المتداولة عن واقع مقلق يتمثل في تجاوز الديون المستحقة على وزارة الصحة الفلسطينية حاجز 1.3 مليار شيكل، في وقت لم تتمكن الحكومة منذ بداية العام من دفع سوى 16 مليون شيكل فقط للموردين، رغم أن الاحتياجات الفعلية تتطلب ما لا يقل عن 30 مليون شيكل شهرياً لضمان استمرار تدفق الأدوية والحفاظ على الحد الأدنى من المخزون الدوائي.
وتنعكس هذه الأزمة بصورة مباشرة على توفر الأدوية في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، حيث تشير البيانات إلى فقدان أكثر من 160 صنفاً دوائياً بشكل كامل، فيما يعاني أكثر من 600 صنف آخر من نقص حاد، بما يشمل أدوية الأمراض المزمنة والمسكنات الأساسية والعلاجات الحيوية اللازمة للمرضى في أقسام الطوارئ والعناية المكثفة.
وفي ظل هذا الواقع، اضطرت وزارة الصحة إلى اعتماد سياسة الأولويات، بحيث يتركز ما يتوفر من أدوية على الحالات الحرجة وأدوية "إنقاذ الحياة"، بينما تتزايد معاناة آلاف المرضى المصابين بأمراض القلب والسكري والضغط والكلى والسرطان والأمراض المناعية الذين يعتمدون على علاجات دورية لا تحتمل الانقطاع أو التأجيل.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن الظروف المالية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها السلطة الفلسطينية نتيجة تراجع الإيرادات العامة واستمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة وتراجع المساعدات الخارجية، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصحي.
لكن ما يزيد من خطورة المشهد أن شركات الأدوية والموردين باتوا يواجهون بدورهم ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة تراكم المستحقات وعدم وضوح آليات السداد، ما دفع العديد منها إلى تقليص حجم التوريد أو الاكتفاء بالكميات الضرورية فقط، حفاظاً على استمرارية أعمالها. كما أن عدم توقيع عطاءات الأدوية الخاصة بعام 2026 حتى الآن بسبب غياب الرؤية المالية الواضحة يثير مخاوف حقيقية من اتساع رقعة الأزمة خلال الفترة المقبلة.
إن التداعيات الإنسانية لهذه الأزمة تتجاوز لغة الأرقام والإحصاءات، فالمريض الفلسطيني هو من يدفع الثمن مباشرة. فالكثير من المرضى باتوا مضطرين لشراء أدويتهم من القطاع الخاص بأسعار تفوق قدراتهم المالية، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، فيما يواجه آخرون خطر انقطاع العلاج وما يترتب على ذلك من مضاعفات صحية قد تكون خطيرة أو غير قابلة للعلاج لاحقاً.
وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن استمرار أزمة الأدوية يهدد بإضعاف قدرة النظام الصحي الفلسطيني على الصمود في مواجهة الأزمات والطوارئ، ويؤدي إلى زيادة الاعتماد على التحويلات الطبية الخارجية، وارتفاع كلفة الرعاية الصحية، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الصحية الحكومية، فضلاً عن تعميق الفجوات الصحية والاجتماعية بين مختلف المناطق الفلسطينية.
إن الحق في الصحة والعلاج حق أساسي كفلته القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، وهو لا يقل أهمية عن أي حق من حقوق الإنسان الأخرى. ومن هنا فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب تحركاً عاجلاً على المستويات كافة، من خلال وضع خطة مالية واضحة لسداد جزء من الديون المتراكمة، وتأمين مخصصات مستقرة لشراء الأدوية الأساسية، والإسراع في استكمال عطاءات التوريد، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية والجهات المانحة لإنقاذ القطاع الصحي من الانهيار.
وفي ظل التحديات السياسية والاقتصادية الراهنة، يبقى الحفاظ على الأمن الصحي الفلسطيني مسؤولية وطنية تتطلب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية والدولية، لأن استمرار نقص الأدوية لا يهدد صحة المرضى فحسب، بل يمس أحد أهم مقومات الصمود الوطني والاستقرار المجتمعي. فالأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على حماية صحة مواطنيها وضمان حقهم في الحياة والعلاج الكريمة.

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة