
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
تواجه حركة فتح اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها السياسي والتنظيمي، في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني، واستمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وتصاعد المخاطر التي تستهدف القضية الوطنية ومكانة المشروع التحرري الفلسطيني. وفي خضم هذه التحولات، لم يعد النقاش حول مخرجات المؤتمر الثامن مجرد شأن تنظيمي داخلي، بل بات جزءاً من سؤال وطني أكبر يتعلق بمستقبل الحركة ودورها وموقعها في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.
إن القراءة الموضوعية للواقع التنظيمي والسياسي تؤكد أن المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز حالة الانقسام الداخلي والاستقطاب التنظيمي التي رافقت المؤتمر، والانطلاق نحو حوار وطني وتنظيمي شامل يعيد الاعتبار لوحدة الحركة ودورها التاريخي، باعتبارها حركة تحرر وطني فلسطيني، لا تنظيماً مغلقاً تحكمه الولاءات أو الاسطفافات أو الحسابات الشخصية.
لقد انبثقت حركة فتح من رحم المعاناة الفلسطينية، وتشكلت كحركة جماهيرية وطنية جامعة، استطاعت أن تستوعب مختلف التيارات الوطنية والفكرية والاجتماعية تحت مظلة الهوية الفلسطينية الجامعة. ولذلك، فإن سر قوة الحركة تاريخياً لم يكن في مركزية الأشخاص، وإنما في قدرتها على تمثيل الحالة الوطنية الفلسطينية بكل تنوعاتها، وفي احتضانها لطاقات الشعب الفلسطيني السياسية والنضالية والفكرية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة تنظيمية تقوم على الإقصاء أو تهميش الكفاءات الوطنية أو تقليص مساحة المشاركة الداخلية، تحمل في طياتها مخاطر حقيقية على البنية التنظيمية للحركة وعلى دورها الوطني، خاصة في ظل التحديات الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية، ومحاولات الاحتلال الإسرائيلي استثمار الانقسام الفلسطيني وإضعاف النظام السياسي الفلسطيني.
إن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الخلافات أو إدارة التباينات بمنطق الغلبة التنظيمية، وإنما إطلاق عملية مراجعة وطنية شاملة تتسم بالشجاعة والمسؤولية، وتؤسس لحوار داخلي يبدأ من القاعدة التنظيمية وصولاً إلى الأطر القيادية العليا، بما يعيد بناء الثقة داخل الحركة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة التنظيمية والوطنية.
فالمرحلة الراهنة تفرض على حركة فتح استعادة دورها كحركة تحرر وطني قائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وقادرة على توحيد الصف الوطني، لا أن تتحول إلى ساحة تجاذبات داخلية تستنزف طاقاتها وتضعف حضورها الجماهيري. كما أن استعادة مكانة الحركة تتطلب تجديد خطابها السياسي والتنظيمي بما يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية، ويعزز ارتباطها بالقضايا اليومية للمواطن الفلسطيني، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
وفي السياق الاستراتيجي، فإن مستقبل حركة فتح لا ينفصل عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته، لأن أي حالة ضعف أو انقسام داخل الحركة تنعكس بصورة مباشرة على مجمل الحالة الوطنية الفلسطينية، وعلى قدرة الفلسطينيين في مواجهة مشاريع التصفية ومحاولات فرض الحلول الأحادية التي تستهدف الحقوق الوطنية الفلسطينية.
كما أن التحديات الراهنة، وفي مقدمتها الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، والانهيار المتسارع لعملية السلام، تفرض إعادة صياغة رؤية وطنية جامعة تعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، وتؤكد أن حركة فتح مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى باستعادة روحها الأولى كحركة تحرر وطني جامعة لكل الفلسطينيين.
إن تجاوز تداعيات المؤتمر الثامن لا يتحقق عبر تجاهل الخلافات أو تكريسها، وإنما عبر تحويلها إلى فرصة للمراجعة والتصحيح والبناء التنظيمي الديمقراطي، بما يعزز وحدة الحركة وقدرتها على مواصلة دورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.
فحركة فتح ليست ملكاً لأفراد أو تيارات، بل هي جزء أصيل من الهوية الوطنية الفلسطينية، وتاريخها النضالي ومسيرتها الطويلة يفرضان على الجميع تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات أخرى، والعمل من أجل حماية الحركة وتحصينها واستعادة دورها الريادي في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ القضية الفلسطينية
أخبار الاقتصاد
أخبار فلسطينية
أخبار فلسطينية
أخبار فلسطينية
أخبار فلسطينية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |