في اليوم العالمي لحرية الصحافة: حماية الصحفيين الفلسطينيين واجب قانوني ومسؤولية دولية
5/3/2026 10:36:00 PM
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في الثالث من أيار/مايو من كل عام، يقف العالم أمام مناسبة ذات دلالة إنسانية وحقوقية كبرى، هي اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرته الأمم المتحدة تأكيداً على أن حرية التعبير والإعلام المستقل تشكلان ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي، وضمانة لحماية حقوق الإنسان وصون الحقيقة. غير أن هذه المناسبة في فلسطين تأتي مثقلة بالألم، حيث يتحول الاحتفاء بحرية الصحافة إلى مناسبة لتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية والقدس.
فالصحفي الفلسطيني لا يمارس مهنته في بيئة طبيعية، بل يعمل في ظروف استثنائية محفوفة بالمخاطر، تحت القصف والاقتحامات والحصار ومنع الحركة والاعتقال والاستهداف المباشر. ومنذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، سجّلت المؤسسات الدولية والحقوقية أرقاماً صادمة بشأن حجم الخسائر في الجسم الصحفي الفلسطيني.
فقد أشارت تقارير صادرة عن منظمات معنية بحرية الإعلام إلى أن أكثر من 150 صحفياً وإعلامياً استشهدوا في قطاع غزة خلال تغطيتهم للأحداث أو نتيجة استهداف منازلهم وعائلاتهم، في واحدة من أعلى الحصائل المسجلة عالمياً بحق الصحفيين في نزاع واحد خلال فترة زمنية قصيرة. كما أصيب عشرات آخرون، ودُمّرت مقرات ومكاتب إعلامية، وتعرضت البنية التحتية للاتصالات والإرسال للتدمير المتكرر.
وفي الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، لم تكن الصورة أقل خطورة، حيث وثقت نقابة الصحفيين الفلسطينيين ومؤسسات حقوقية مئات الانتهاكات التي تراوحت بين الاعتقال والاحتجاز، ومنع التغطية، ومصادرة المعدات، والاعتداء الجسدي، وإطلاق النار والغاز السام على الطواقم الصحفية، إضافة إلى القيود المفروضة على تنقل الصحفيين والوصول إلى أماكن الأحداث. كما تعرض عدد من الصحفيين للإصابة المباشرة أثناء تغطية الاقتحامات والمواجهات الميدانية.
إن هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعكس واقعاً خطيراً يستهدف حرية الإعلام وحق الإنسان في المعرفة. فاستهداف الصحفي لا يطال فرداً بعينه، بل يطال الحقيقة نفسها، ويحرم الرأي العام المحلي والدولي من الوصول إلى المعلومات الموثقة، ويمنح مساحة أوسع للتضليل والروايات الأحادية.
وبموجب القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها، يتمتع الصحفيون بالحماية بصفتهم مدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 2222 لعام 2015 ضرورة احترام سلامة الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم. كما أن المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها دون قيود.
لكن استمرار الجرائم والانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين يكشف بوضوح حجم العجز الدولي في تطبيق القانون، واتساع فجوة المساءلة، واستمرار سياسة الإفلات من العقاب، الأمر الذي يشجع على تكرار الانتهاكات دون رادع.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، لم يعد مقبولاً الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التضامن الرمزي، بل المطلوب خطوات عملية تتمثل في:
أولاً: تشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة في الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين الفلسطينيين.
ثانياً: توفير حماية دولية للطواقم الصحفية أثناء أداء مهامها.
ثالثاً: الضغط لوقف استهداف المؤسسات الإعلامية والبنية التحتية للاتصالات.
رابعاً: ملاحقة مرتكبي الجرائم أمام القضاء الدولي المختص.
خامساً: دعم الإعلام الفلسطيني مهنياً وتقنياً لضمان استمرارية رسالته.
لقد أثبت الصحفي الفلسطيني، رغم شح الإمكانات وهول المخاطر، أنه صاحب رسالة وطنية وإنسانية نبيلة، نقل الصورة من تحت الركام، ووثق المأساة بالصوت والصورة والكلمة، وقدم نموذجاً نادراً في الشجاعة المهنية والالتزام الأخلاقي.
التحية في هذا اليوم لأرواح الشهداء من الصحفيين، وللجرحى والأسرى، ولكل من حمل القلم والكاميرا دفاعاً عن الحقيقة. فحرية الصحافة في فلسطين ليست شعاراً احتفالياً، بل معركة يومية من أجل العدالة والكرامة الإنسانية. وتأمين الحماية للصحفيين الفلسطينيين هو واجب قانوني وأخلاقي ومسؤولية دولية لا تحتمل التأجيل