4/10/2026 8:30:00 PM
الرفيق أبو جميل… سيرة صمت ووفاء مستحق
كتب وليد العوض
اعتاد الفلسطيني، في مفارقة موجعة، أن يستدعي رموزه وقياداته النظيفة عند الرحيل الأبدي فقط؛ فتفيض الكلمات، وتتزاحم المناقب، وكأن الاعتراف المتأخر يبرئ ضميرًا جمعيًّا من تقصيرٍ طويل. نادراً ما نلتفت إلى أولئك الذين أثقلتهم السنوات وأضناهم التعب، لكنهم يواصلون العطاء بصمتٍ ونُبل، مخلصين للفكرة التي آمنوا بها وهم فتية، قابضين على جمرها، يعضّون على النواجذ في درب الوفاء.
من بين هؤلاء الرفيق عاصم عبد الهادي “أبو جميل”، أحد أبرز قادة حزب الشعب الفلسطيني، ووجهٌ وطنيٌّ راسخ في مدينة نابلس. زاملته في اللجنة المركزية منذ عقدين؛ صامت، هادئ، رزين الفكرة. نادر الكلام، لكنه حين يتحدث يضعك أمام عمقٍ لا لبس فيه. اتفقنا كثيراً في قضايا عديدة، واختلفنا في بعضها، لكن العلاقة الرفاقية بقيت متينة لا تهتز، لأن ما يجمعنا أكبر من أي تباين، ولأن الاحترام المتبادل كان دائمًا القاعدة الصلبة.
كان “أبو جميل” يتصل بين حين وآخر، لا طلبًا لشيء، بل للثناء أو لإبداء ملاحظة على مقابلة أو مقال. وفي ذروة قسوة حرب الإبادة، كان صوته يصلني محمّلاً بالقلق والاطمئنان، يسأل عني وعن أسرتي والرفاق، معتذرًا إن تأخر الاتصال. هكذا هو: وفيّ في حضوره كما في غيابه، بسيط في أسلوبه، عميق في إنسانيته.
أمس، في التاسع من نيسان، زاره ثلة من الرفاق أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب ، ومعهم الرفيق شاهر سعد الأمين العام لاتحاد النقابات، وعدد من النقابيين، في زيارة وفاء وتقدير لدوره الوطني والنقابي، في لفتةٍ مستحقة تعكس مكانته وما راكمه من تاريخٍ نضالي صادق.
أبو جميل ولد في الخامس من كانون الثاني عام 1943 في نابلس، وتدرّج في تعليمه حتى نال الماجستير في التجارة الخارجية من وارسو عام 1967. انتمى مبكرًا للحزب الشيوعي الأردني، واضطر لمغادرة البلاد إلى بيروت تحت وطأة الملاحقة، حيث واصل نشاطه السياسي والطلابي دفاعًا عن القضية الفلسطينية. كان من المؤسسين الأوائل للحزب الشيوعي الفلسطيني مطلع الثمانينيات، وتعرض لمضايقات الاحتلال ومنع من السفر لسنوات طويلة.
تولى مسؤوليات قيادية متعددة، من سكرتير الحزب في نابلس إلى عضو اللجنة المركزية، ثم المكتب السياسي ، إضافة إلى دوره البارز في العمل النقابي، حيث ساهم في تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وأشرف على الكتلة العمالية التقدمية. ظلّ منحازًا لقضايا العمال، مؤمنًا بعدالة النضال الاجتماعي كجزء لا يتجزأ من النضال الوطني.
يرى “أبو جميل” أن الواقع الفلسطيني يمر بمرحلة بالغة التعقيد، وأن الانقسام الداخلي، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية، لا يخدم طموح شعبنا في الحرية والاستقلال. يؤكد أن السلاح وحده لا يحسم الصراع، وأن اتفاق أوسلو لم يحقق الحد الأدنى من تطلعات شعبنا، بل عمّق الاختلال القائم. ويدعو إلى بناء قاعدة وطنية مشتركة تقوم على الشراكة والديمقراطية، تنطلق منها كل القوى، فاستمرار الانقسام يهدد بإجهاض مشروع الدولة. كما يشدد على أن المقاومة الشعبية، بوصفها شكلاً نضاليًا واسعًا ومؤثرًا، تبقى الخيار الأكثر نجاعة في هذه المرحلة.
وفي هذا المقام، لا بد من التمنيات للرفيق “أبو جميل” بدوام الصحة والعافية، ومواصلة العطاء في مسيرة الكفاح الوطني من أجل تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال، والاستمرار في الدفاع عن مصالح العمال والكادحين وعموم الشغيلة، التي نذر حياته لأجلها، وظل وفيًا لها في كل المواقع التي شغلها.
في زمنٍ يعلو فيه الضجيج، يختار “أبو جميل” أن يبقى وفيًّا لنهج الصمت الفاعل. رجلٌ لا ينتظر التكريم، ولا يطلب الاعتراف، لكنه يستحقه حيًّا، لا مؤجلاً. لعلنا نتعلم أن الأوفياء لا يُحتفى بهم فقط حين يغيبون، بل يُنصفون وهم بيننا، يواصلون المسير بثبات، كأنهم الحكاية التي لم تنتهِ بعد.